إعلان
إعلان

الروح تغلب المادة _ د. سناء شامي

#سفيربرس _ ايطاليا 

إعلان

غليان في طنجرة، الكل يدور حولها، فهناك من يحلل درجة حرارة حطبها، و آخر يحلل نوعية حطبها، و آخرون يحاولون تحديد درجة غليانها، و آخر يرى في بخار ها أملاً لترطيب الأجواء… الكل يحلل أحداث، و يتجاهل الحقائق و مسارات عمقها الصهيو-سياسي و الإقتصادي، أو بالأحرى المالي-الإمبريالي، و حبل سرته التاريخية و الدينية. أحب التنويه إلى أن ما أطرحه، ليس نقداً، و لا تحليلاً، و لا هجوماً على أية جهة بما فيها الجهة التي يُطلق عليها بالعدو، لأنه حتى مفهوم العدو الكلاسيكي قد فقد شكله و مضمونه… إن ما أطرحه هو محاولة للإستيعاب و الوعي، من أجل الحفاظ على الذات و التمسك بأصول المنشأ و تقاليده كي لا تضيع الهويه المتبعثرة و المهانه من هذه الولاده القيصرية و القسرية لنظام عالمي، يسمّونه بالجديد. أول ما أريد الإشاره إليه هو أن الإمبرياليه العالمية المالية، و مثيلتها الدينية، أيّاً كان شكل الدين، هما في توافق تام و يعملان بنفس السياق التاريخي لتقاسم السلطة و إدارة العامة لصالح ذات السلطة التي لا وجه محدد لها، و إن إختلفت تسميتها أو شكلها… أمّا السياسة و الإقتصاد، كما في السابق، هما أدوات إدارية، و إنه لا يوجد صراع بين القوى المتناحرة، و إنمّا تصارعات تحدد دور أو تفوق القوة الأكثر نجاعةً لإستمرارية السلطة، و هذه التصارعات هي جزء أو عُرف بين القوى الأمبرياليه، بل هي ضروره ديناميكية للعبة السلطة و الهيمنة. و إن إنطلقنا ممّا يحدث في إيران و نقل سيناريو تمرد الشارع، و  نقل عملية الإمعان في إستغلال الورقة الكردية من الساحة السوريه إلى الساحة الإيرانية، يؤكد بأن القيادة الكردية ليست إلا إحدى أدوات إدارة الفوضى التي تهدف إلى إعادة رسم خرائط جديدة للمنطقة برمتها.

النظام الدولي، الذي هو في مضمونه تجار و شركات عالمية محتكرة للطاقة، و الإقتصاد و مراكز المال، هذا التكتل الإحتكاري الذي يتقمص وجهاً سياسياً  من خلال الحكومات، هو من حدد دائماً أشكال الحكم فوق هذه الكرة الأرضية، و مازال يحددها، كل ما في الأمر، إنه يجدد نفسه، إنطلاقاً من خلق الحروب و إعادة فبركة أشكال الحكم. إعتمدت السياسات العالمية، دائماً على منطق القوة و الهيمنة، و إن إختلفت الموديلات و الدرجات، و  بفترات معينة إرتدت ثوب الديبلوماسية، لكن اليوم أمريكا الترامبيه، نزعت عنها هذا الثوب المستعار و ألغت الخطاب الدبلوماسي التقليدي، و إستبدلته بالمنطق الحقيقي للسلطه الإمبريالية العالميه، ألا وهو القوة و الهيمنة… علماً بأن السلطة الإمبريالية، لم ينقطع يوماً دورها، حتى فيما تُسمّى بالأنظمة الديمقراطية.
بات واضحاً للعالم اليوم، بأن ما حدث في سوريا، ليس معزولاً، عن الإتفاق الدولي الأميركي – التركي بإدارة إسرائيلية موساديه… و ما دام الأمر بات واقعاً، إذاً، ما الحاجة لموقف النعامة؟ الوعي بات واجباً، ليس لتغيير المشهد، فهذا بستدعي عكس مسار التاريخ و إعادة صياغته ربما، و لكن للتفاعل معه بإدراك يسمح لشعوب هذه المنطقة عن حماية وجودها التراثي و الحضاري و أصولها و جذورها  الثقافية و العرقية، و كما كررت في مناسبات عدة، فأن الحرب اليوم على الوجود ذاته، و إن لعبة الحدود السياسية و الديموغرافية، ليست إلا وسيلة لإفراغ شعوب المنطقة من هويتها الحضارية و الإنسانية. لقد ولدت السلطة الحالية في سوريا، كسابقها، من مخاض صراعات دولية و مطامع إستعمارية، خارجية و داخلية، و ما تقوم به هو تطبيق لإتفاقات دولية، بما فيه الإتفاق الذي تمّ إجرائه في باريس، فالقرار السيادي برمته في كل دول المنطقة، لم يعد فاعلاً، و مجتمعاتها تعيش في حالة ذهول جماعي، و  تشظي إجتماعي، و إنتحار سياسي، فالمجتمع السوري لم يعد يبالي بما يدور حوله من مذابح، و إنحلال، و هذا نتيجة خمسة عشر عاماً من التفكيك و الإستثمار في الإنقسام، و القائمين على الحكم الآن في سوريا، يبدو و كأنهم يعملون على تفكيك الجغرافيا السوريه، لا تقسيمها، و ربما على تذوبيها في كيان أكبر، تجتهد جهات خارجية بالتعاون مع بعض الجهات الداخليه على تهيئته: حتى و إن بقيت سوريا موحدة فوق ورقة تُسمّى خارطة، فما النفع من وحدة فوق الورق، و التفكيك قائم و ماضٍ دون هوادة في مسيرته من خلال إدارة الهويات من جهات خارجية و على رأسهم تركيا، فلماذا السجل المدني ما زال مؤجلاً؟ و منح بطاقات التعريف مؤجلاً؟ و ضرب الهوية الوطنية الجامعة بات واضحاً… النسيج الإجتماعي تآكل، و تصنيع جماعات جديدة بات واضح المعالم، و دول الجوار ترفع جدراناً بينها و بين سوريا، و هذا ما ينسجم تماماً مع رؤية نتنياهو و شبيهه ترامب الذي صرّح بأننا لا نريد دولاً، بل مجموعات شعوب متجاورة… و ها هي قسد، تجعل من ورقة الوطنية وظيفة أطلسية، لا تختلف في ذلك عن المتأسلمين السياسيين: جميعهم أدوات أمريكا في المنطقة، و لذلك إستبدل ترامب و نيتانياهو لغة الدبلوماسية، بلغة الصفاقة المباشرة الفاضحة للخونة من العرب.
في النهاية غاز  البحر الأبيض المتوسط هو وقود هذا الصراع الإقليمي-الدولي و جثث العلويين، بالنسبة لهم ليس لتأجيج الطائفية بقدر ما هو ضرورة قذرة للعبة توازنات الروسي في المنطقة، لقد أصبحت سوريا ساحة تنافس جيوسياسي وإقتصادي حاد، يهدف إلى إعادة رسم الخريطة السكانية والتحكم في الممرات والموارد الإستراتيجية، فالمناطق التي ذبحوا فيها العلويين هي  مناطق جبلة وبانياس وريف اللاذقية، و جميعها تطل مباشرة على مكامن الغاز المزعوم وجوده، و لعبة فلول النظام السابق، قد تُمهد الطريق أمام تنفيذ مشاريع تنقيب جديدة مع شركات دولية، و ربما تركية أيضاً، و لا سيما أن تركيا تسعى لترسيخ نفوذها في الساحل السوري لتأمين حقوق التنقيب في شرق المتوسط، و كان قد أعلن وزير الطاقة التركي في ديسمبر 2025 عن خطط لتوقيع إتفاقية تنقيب قبالة السواحل السورية، و في عام 2026، و بما أن تركيا تخاف من تحول الساحل إلى كيان علوي مستقل يشبه الإدارة الذاتية الكردية، مما قد يشجع الملايين من العلويين الأتراك داخل حدودها، خاصة في لواء إسكندرون، على المطالبة بالإنفصال، و هذا ما يبرر دعم تركيا للفصائل الذين ذبحوا المدنيين العلويين في الساحل… و بالمقابل هرعت إسرائيل إلى إثارة ملف “حماية الأقليات” لعرقلة السيطرة التركية الكاملة على الساحل، ومنع تحوله إلى منطقة نفوذ إقتصادية تركية. أمّا روسيا باردة القلب و القالب، فقد إستنكرت مجازر الساحل، إلا إنها لم تتوقف عن التنسيق مع حكومة دمشق الجديدة، بحجة ضمان بقاء قواعدها في طرطوس وحميميم، بإعتبار إستقرار الساحل ضرورياً لأمنها القومي، و بشاعة المجازر هي أيضاً بالنسبة لروسيا، ورقة ضغط فاعلة، للإستحواذ على تنازلات إقتصادية في قطاعي الغاز والفوسفات، لذلك لعبت دور الأب و فتحت أبواب قاعدتها في حميميم لإستقبال العلويين الهاربين من المذابح، و حتى الكيان الصهيوني، يرى في الوجود الروسي عامل إستقرار يمنع إنهياراً ديمغرافياً شاملاً قد يؤدي إلى فوضى على حدودها، كما ترى في التواجد الروسي قوة تقيّد طموحات تركيا في الساحل… إن سعي المتصارعين على السيطرة على محطات معالجة الغاز وموانئ التصدير، هو من هدر دم العلويين، و جعل إخلاء الساحل من العلويين أولوية أمنية و إقتصادية متعددة الأطراف، إجتهدوا جميعهم، لتصبح ساحة هذا الساحل جاهزة لرقصات تانغو النفوذ، فالتهجير لم يكن عمل إنتقامي طائفي، بل هو جزء من إستراتيجية إقليمية أوسع لتأمين مصالح قوى النفوذ المتواجده في سوريا.
أمّا ما يحدث في إيران، فلا جديد تحت الشمس، هي الطبخة الصهيو أمريكية ذاتها للنيل من الدول، أو لتحقيق جزء من هدف جيو إستراتيجي أوسع، أو ربما لتمويه متفق عليه مع إيران ذاتها، للحصول على تغيير ما، داخل إيران و في المنطقة يصب في صالح الطرفين: فآمريكا و إسرائيل، يدركان تماماً بأن النظام في إيران هو نظام صلب و مركّب، و جسده متماسك و مترابط بدستور مُحكّم و توازنات دقيقه و أسس إجتماعية متأصلة، و الأهم من هذا قوة المؤسسة الدينية التي تجيد إدارة التناقضات الداخلية و الخارجية، و هذه المؤسسة الحاكمة فعلياً للبلاد لا تقل أهميةً عن الفاتيكان و عن علاقاته السياسية مع القوى الدولية… و  لا ننسى بأن ترامب صرّح قائلاً: “أنقذت إسرائيل من أن تُدمَّرها إيران”، و ما تصريحه هذا إلا إعترافاً بقوة إيران مدركاً أيضاً، لأهميتها في خرائط التحولات الإستراتيجية في المنطقة، و الديكتاتورية الدينية يُحسب لها ألف حساب، أكثر من أي ديكتاتورية سياسية، فالعراق بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة، هي قنبلة قابلة للإنفجار المعاكس،  فإيران قادرة على تحريك الشارع العراقي، بغطاء ديني–وطني، و  في حال حدوث هذا، فأن تبعياته سوف تُربك المشروع الأميركي في المنطقة و ستستخدم إيران العراق كخنجر مُسلط على صدر آمريكا، و لا سيما أن حكومة العراق غارقة في الفساد، و
ما زالت إيران تهيمن على القوة الشعبية العقائدية الموالية لها، و فتوة واحده من الخامنئي، ستكون كافية لدفع الملايين من العراقيين الشيعة لإجتياح المنطقة الخضراء و زعزعة الوجود الأمريكي فيها… و بجميع الأحوال، الغرب لم يطرد بلاد فارس من غابته الجيوسياسية: تاريخياً كان قد شيّع فيها الدين، فبعد أن كانت سنيّة، صارت شيعية، و من إمبرطورية جعل منها جمهورية دينية، و الآن ربما يهدف إلى إعادة الشاه، لكن لا ننسى بأن تغيير الرئيس بالشاه، لا يغير من متانة العلاقات مع السلطة الدينية الحاكمة فعلياً لإيران، و لأن هذه السلطة كانت دائماً في تناغم مع الإستراتيجيات العالمية للأنظمة الدولية… و بما أن تكتلات جديدة تحدث في العالم، حبلى بأجنة نظام عالمي إمبرطوري، فأن السلطة الدينية قوة لا تموت و أن مات الدين أو تحوّلت أشكاله.
و ها هي تونس، بعد محاصرتها بإسم ثورة الربيع العربي: إقتصاد مشلول، بوصلة سياسية تعطلت إبرة توجهاتها بسبب التجاذبات الغير واضحة، و عمران ديني كثيف، لكن الروح غائبة، والعقل مُصادَر، كما في أغلبية الدول العربية-الإسلامية… و النتيجة ليست إيماناً ولا وعياً، بل طقوساً آلية إعتيادية لا تهتم بتحسين الواقع، على الأقل الأخلاقي، و إنما تتأمل رقعة مريحة في الجنة.
الناس تركع أمام الحاكم ليرضى، و تركع أمام الله ليرضى… تركع لا لأنها تخاف، بل لأنها تعوّدت على الركوع، و على الحصول على شيئ مقابل الركوع، تردد كلمات محفوظة بلا سياق، بلا تاريخ، بلا سؤال، وكأن الدين تمرين عضلي لا فعلًا عقلياً و إدراك الله من خلال إدراك الحقائق… الدين في البلاد العربية، ليس فقط ركوعاً شعبياً، بل هو سياسة دولة قررت منذ زمن أن تُبقي الدين في مستوى الضوضاء لا في مستوى الفكر، في مستوى الطقوس لا في مستوى عمق المعنى، و في مستوى الطاعة لا في مستوى الوعي.
و هاهي العراق، لم تعد عراقاً: فالدولة الحالية فشلت في بناء مؤسسات قوية، و المصالح الحزبية، في تنافس و كأن البرلمان سوق بلا ضوابط، و إنفلات السلاح و الميليشيات، و إهمال للقطاعات غير النفطية، ممّا أدى إلى إرتفاع البطالة والفقر، و إنحطاط  التعليم و القطاع الصحي، و الأمن الغذائي لا أمن و لا أمان فيه منذ سرقة أمريكا لبنك البذور و فرض البذور المهجّنة على الفلاح العراقي، ممّا أعاق التنمية و تقويض الإستقرار  الإقتصادي، و هدر ثروات البلاد… بل الأدهى من ذلك، لم يعد الفساد مجرد آفة تتنقل بين المسؤولين بل صار نظاماً له شبكة هائلة من المصالح المتشابكة بين الأحزاب الطائفية والمصارف، وبين رجال الأعمال وزعماء الميليشيات والسياسيين الذين يتلاعبون بكل ما يؤدي إلى جني الأموال، و بذلك خلقوا دولة جديدة إحتكارية تنتج المال ليس من أجل تعزيز الإقتصاد الوطني، و إنما من أجل تعزيز حكم المذهب و الطائفة، و بالنتيجة يصبح هدف التمويلات الأجنبية محصوراً في شراء الولاءات فقط، و الإعلام بطبيعته فاسد و يعمل على تلميع أسياده.
و ها هي العولمة، ينفضح وجهها الحقيقي في العالم، فهي ليست إمتداد إقتصادي يهدف لتقريب الشعوب، بل هي مشروع تقوده قوى مهيمنة (وعلى رأسها الولايات المتحدة والمنظمات الدولية الكبرى) لفرض نموذج إقتصادي-ثقافي واحد، يطمس الذات و الهوية و  خصوصيات الإنتماء : بات واضحاً بأن هناك قوى تعمل على محاولة إعادة تشكيل العالم بما يخدم مصالح مصالحها و إيديولوجياتها القاتمة الروح، غالباً على حساب الهويات المحلية والعدالة الإجتماعية، لذلك باتت الشعوب واعية بأن توحيد الأسواق، ليس إلا محاولة للهيمنة على حياتها، و  ما أن تشعر بأن هويتها مهددة، فتفجر غضبها عن طريق حركات المقاومة أو الإنكفاء على الهويات الدينية والوطنية المتشددة، أو على الطائفية البغيضة. إن جملة النظام العالمي الجديد، باتت تثير  الشعور بالإذلال لدى الشعوب الغربية و بمقدار أقوى بالشعوب التي لا تستطيع اللحاق بركب التقدم الغربي أو التي تُفرض عليها سياسات خارجية قسرية…

#سفيربرس _ د. سناء شامي _روما 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *