الذائقة العامة ومؤشرات حركة البيع في معرض الكتاب
#سفير برس-سعاد زاهر

على مدار أيام المعرض، كان المشهد الأكثر لفتاً للانتباه هو الحشود الشابة التي تملأ القاعات. في البداية، يراودك تساؤل، هل هي مجرد نزهة ثقافية، خاصة مع امتلاء المطاعم طوال الوقت؟ ولكن بمجرد أن تراهم ينتقلون بين الأجنحة وهم يدركون تماماً ما يريدون، ويخرجون حاملين أكياساً ثقيلة بالكتب، تتلاشى كل التساؤلات.
اقتربنا في “الثورة السورية” من الزوار، خاصة ممن حملوا أكياساً عليها علامات شراء مؤكدة، لنفهم ماذا يقرؤون؟ ولماذا اختاروا هذه العناوين دون سواها؟ ما الذي يبحثون عنه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد؟ وما الذي يعنيه أن تشتري كتاباً اليوم؟
على الجانب الآخر، مكّننا أصحاب دور النشر الذين التقتهم مراسلة “الثورة السورية” من رصد الذائقة العامة، وقراءة المؤشرات في حركة البيع، لفهم التوجهات الفكرية للقارئ السوري في أول معرض كتاب دولي بعد تحرير سوريا.
ما هي الصفحات التي نقلبها؟
في جناح دار “كوزال” القادمة من مدينة بورصة التركية، يوضح نور عقيل مشرف جناحها أن القارئ السوري مقبل بكثافة على الأدب، لا سيما الكلاسيكي، وأضاف: “كتب المنفلوطي تتصدر المبيعات لدينا، المنفلوطي، بلغته الشفافة وألمه النبيل، لا يقدّم سوداوية الحرب، بل يقدم حزناً رومانسياً يطهّر الروح”.
كما يلاحظ عقيل أن الناس تبتعد عن كتب الحرب والمآسي، كأنهم يقولون بصمت، “يكفينا ما عشناه، لا نريد أن نقرأه مجدداً؟! يبحثون عن كتب تمنحهم حالة فرح، وهذا الميل يكشف فلسفة قراءة مختلفة، فالسوري لا يريد أن يستعيد الألم عبر الورق، بل أن يعيد صياغة ذاته عبر الجمال، في محاولة لتجاوز الوجع”.
وفي متجر “كتابك لبابك”، يصف المشرف عليه مازن درخباني مشهداً لافتاً، فالإقبال كبير منذ الصباح، لكن “تختلف اهتمامات القارئ السوري عمّا شاهده في معارض دولية أخرى، ففي دول كثيرة، الروايات الخيالية والفانتازيا تتصدر المشهد، أما هنا، فالصورة مختلفة”.
يقول درخباني: ” إن طفلاً في الثانية عشرة يسأل عن كتب تطوير الذات، وفتاة في العمر نفسه تسأل عن كافكا، جيل صغير لا يبحث عن العوالم السحرية، بل عن كتب لفهم ذاته”. والقارئ السوري، بحسب ملاحظته، يميل إلى الكتب المترجمة ذات الطابع الفكري أو التطويري، ويبحث عمّا يطوّر شخصيته أكثر من بحثه عن التسلية، حتى العنصر الأنثوي حاضر بقوة في المعرض، باهتمام واضح بعالم الكتاب. ويضيف : “على ما يبدو أن هذا التوجه يعكس مجتمعاً عاش صدمات متتالية، فصار أكثر جدّية في خياراته المعرفية”.
حضور حذر
في جناح دار “الزاوي” من ليبيا، حيث الكتب السياسية والدينية هي العنوان الأبرز، تبدو المبيعات “جيدة نوعاً ما”، كما يقول صاحب الدار”، ثلاثة أو أربعة كتب يومياً، الرقم ليس مرتفعاً، لكنه ليس صفرياً”.
والزوار على حد قوله “يتفرجون كثيراً، يقلّبون الكتب، يناقشون، ثم يخرج بعضهم بلا شراء، السبب واضح، القوة الشرائية ضعيفة، كثيرون يأتون بدافع الشغف، لا بدافع القدرة. ومع ذلك، فإن مجرد التوقف أمام كتاب سياسي أو ديني بعد سنوات من المنع والتضييق، هو فعل ثقافي بحد ذاته، والتصفح هنا شكل من أشكال استعادة الحق في السؤال”.
ومن دار “سعاد الصباح” الكويتية، تشير سمر فاروق أبو شكر إلى إقبال الشباب الكبير على الكتب التاريخية، وتوضح أن السؤال الذي يتردد بين الزوار ليس بسيطاً: “هل تاريخنا حقيقي أم تم التلاعب به؟”. وهذا الشك “دلالة وعي، جيل يريد أن يعيد قراءة الماضي بعين نقدية، لا أن يسلّم بالروايات الجاهزة، في محاولة لفهم ما حدث، ولماذا حدث، وكيف يمكن ألا يتكرر”.
شغف الاستعادة
فريد عبد الجليل من دار “مفكرون” تحدث عن ثلاثة أقسام رئيسية، علوم القرآن، كتب المرأة والطفل، وكتب الفكر، والأكثر مبيعاً لديه هي كتب المرأة، ثم كتب القرآن وعلومه، فيما يبقى الكتاب الأكاديمي والقانوني أقل حضوراً.
وفي دار “يقين” الدمشقية، يلاحظ إدريس أبو صهيب إقبالاً على الكتب الفكرية والأدبية، خصوصاً تلك التي كانت محظورة سابقاً، مثل روايات أيمن العتوم، أما حسان سليق من دار “الفكر” يشير أيضاً إلى إقبال على كتب الأطفال، وعلى الكتب المستوردة، ويقول: “الطفولة هنا أولوية، وربما محاولة لتعويض جيل حُرم من الاستقرار”.
أما خلدون صعب من دار “أطلس الخضراء”، فيتحدث عن اهتمام بكتب اللغة والروايات والكتب الإسلامية، مع خصومات تجاوزت 60 بالمئة لتسهيل الاقتناء، فالمعرض “يحاول أن يكون مساحة متاحة، رغم ضيق الحال”.
بين الرغبة والقدرة
عمر السيد من دار “الرشد” يصف حركة البيع بالجيدة نسبياً، مع تصدر كتب تطوير الذات، لكنه يقرّ بأن القوة الشرائية ضعيفة، وأن شراء الكتاب ليس أولوية في ظل الظروف المعيشية. ومع ذلك، “الحضور الكثيف للناس ليس مؤشراً سلبياً، على العكس، هو دليل على أن الرغبة في القراءة موجودة، حتى إن تعثرت القدرة على الشراء”.
بدوره حمزة فتال يبرودي من دار “المركز الاستراتيجي للدراسات” في تركيا، يوضح أن الكتب السياسية تحتاج إلى قارئ من نوع خاص، ويشير إلى أن أسعارها تتراوح بين 35 و40 ألف ليرة سورية، بينما تتراوح أسعار الكتب الصغيرة بين 15 و20 ألف ليرة سورية، معتبراً أنها ضمن حدود يمكن لشريحة واسعة اقتناؤها.
قارئ بلا قيود
ضمن لقاءات أجرتها “الثورة السورية” مع عدد من زوار المعرض، يتضح التنوع في اختيار العناوين لدى القارئ السوري، وتوفر ما كان غير متاح منها سابقاً بين يديه، فحسين عسكر، في زيارته الثانية للمعرض، يلاحظ أن الجمهور لا يتجه إلى دار نشر بعينها، ولا إلى نوع واحد من الكتب، و بأن “الناس يتنقلون بحرية، ينتقون ما يشاؤون، بلا وصاية”.
هذا التنوع يتكرر في شهادات الزوار، فالمحامية يمنى التشة خرجت بحصيلة متنوعة من الكتب؛ اقتنت مؤلفات للشيخ أحمد السيد، وبعض روايات أيمن العتوم، وكتاب “عندما طلع البدر علينا” لأحمد خيري العمري، إضافة إلى كتب لسلمان العودة. أعجبها التنوع الكبير في المعرض، سواء من حيث العناوين أم دور النشر، وأشارت إلى أنها تحرص على شراء الكتب ذات الأسعار المقبولة، مستفيدة من الحسومات التي تقدمها بعض الدور، وترى أن البرنامج الثقافي غني ومهم، إلا أن تزامن بعض المحاضرات يحول دون متابعة جميع الفعاليات، ما يضطر الزائر إلى الانتقاء.
بدوره اشترى الدكتور أسامة المحاميد ديوان شعر لأنس الدغيم، ولاحظ التنظيم الجيد والتنوع اللافت، معتبراً أن المعرض يحتاج إلى أكثر من زيارة بسبب كثرة دور النشر والعناوين التي تستحق التوقف عندها.
واختارت سيدرا الصواف كتباً لدوستوفسكي، رغم توفرها إلكترونياً، مؤكدة رغبتها في التأمل والقراءة الورقية، عبّرت عن استمتاعها بالمعرض، و وصفت أجواءه بأنها عالم معرفي غني.
واقتنت سيدره شحادة عدة كتب لفهد العودة، ورواية “وجهان للقدر”، وكتباً للشيخ أحمد السيد، كما اشترت من “عصير الكتب” رواية “قربان آل يونس”، وتقول إنه لو أتيحت لها الفرصة لاشترت معظم كتب المعرض، معتبرة أن هذه التظاهرة الثقافية لا يمكن تفويتها.
بدورهما، رغد عربي اختارت كتباً فكرية وروايات متنوعة، فيما أشار سمير خشيفاتي، خريج سياحة، إلى غنى المعرض بعناوينه وتنوعه الفكري، وقد اشترى كتباً في علم النفس، مؤكداً أن التعددية الفكرية كانت أكثر ما لفت انتباهه.
أما طالب الاقتصاد عبد الرحمن الدقر اختار كتباً تتعلق بالتراث الإسلامي، وكتاباً عن سرعة البديهة، وأخرى تسهم في تطوير الشخصية، مؤكداً رغبته في تنمية مهاراته واتخاذ قرارات أكثر وعياً، أما حيدر فاقتنى كتباً في التاريخ، إلى جانب كتاب عن فنون التعامل مع الناس وكتاب في السيرة النبوية، بدافع اهتمامه بفهم الماضي وصقل شخصيته.
ورأى طارق الميقي، طالب المعلوماتية، في المعرض مساحة حقيقية للاختيار الحر، حتى للكتب التي كانت ممنوعة سابقاً، اختار كتباً نفسية وفلسفية تنسجم مع اهتمامه بدراسة النفس البشرية والفلسفة، أما مازن الحصري توجه إلى الروايات ذات الطابع التاريخي، مؤكداً أن فهم التاريخ هو مدخله لفهم الحاضر.
بهذا التنوع في الاهتمامات، وبذاك الشغف بالمعرفة رغم ضعف القدرة الشرائية، يقدم القارئ السوري مشهداً استثنائياً في أول معرض كتاب دولي بعد التحرير. بين من يبحث عن تطوير ذاته، ومن يعيد قراءة التاريخ بعين ناقدة، ومن يهرب من وجع الحرب إلى جمال الأدب، تتشكل ملامح ذائقة قرائية جديدة.
#سفير برس-سعاد زاهر



