إعلان
إعلان

جمالية الفضاء السردي في رواية “فورور” للروائي العراقي نزار عبد الستار

#سفير برس - هويدا محمد مصطفى

إعلان

السرد بصمة يتفرد بها الكاتب، لتتضافر في وصفها عوامل شتى، أو خلفيات مختلفة، لتشكل في مجملها شخصية الكاتب الإنسانية والفكرية التي توسمه كبصمة تمييز، من خلال استخدام عناصر السرد والحوار والتشخيص، وتجسيد ذلك عبر أسلوب السؤال والحوار.

هكذا قرأت رواية (فورور) للروائي نزار عبد الستار، الصادرة عن دار نوفل/هاشيت أنطوان. حيث استطاع تناول عدة قضايا وربط الزمن بأحداث متتالية عبر تواريخ تمثل تلك الحقبة الزمنية التي ترتبط أحداثها من العراق إلى دول عديدة من خلال أحداث الرواية. لنجد أن السرد الروائي ينفتح على دورات عديدة متصلة ومنفصلة ومتشابكة ومتمايزة، تتسم الواحدة منها بالتركيز على تشخيص مكونات تجربة تمثل صيرورتها مساراً متميزاً، تبدأ مع بدء الفصل الأول وما تحتويه من شخصيات ووقائع، وتوظيف إمكانات اللغة وما تحويه من مرادفات، واستخدام الخطاب السردي الكامل.

تتناول الرواية عشرين فصلاً بعناوين لها دلالات إيحائية، لنختار بعض العناوين: (من هاتف عمومي)، (قبلة فيلمون وهبي)، (جبانة الباشورة)، (الدور الرابع شقة 13)، (عالم سخيف)، (مزاد التعاطف)، (صندوق فيرزاتشي). هكذا يأخذنا الروائي نزار عبد الستار إلى الزمن الجميل، وفيلم (حكاية حب) للفنان عبد الحليم حافظ والممثلة مريم فخر الدين التي كانت ترتدي الفورور، والبحث عن قصته، وتعلق “صابر” برائحة أمه من خلال هذا الشال (الفورور) عبر أحداث وتواريخ مشوقة. استطاع الروائي بأسلوبه السردي أن يأخذنا إلى تفاصيلها بتقنية فنية سردية مكثفة وأفكار مترابطة، ليقول في ص٧٦:

“في فيلم ‘حكاية حب’ اشتركت كومبارس عراقية ترتدي فستان ذيل سمكة، وشعرها مقصوص على هيئة أفعى الكوبرا. وقبل تصوير أغنية ‘بتلوموني ليه’ أعطتك فورورها السواريه الشنشيلا البيج لكي تظهري فيه مع عبد الحليم حافظ في الأغنية. أنا صابر ابنها الوحيد، وقد جئت من لندن إلى هنا كي أسترد، بعد إذنك، فورور أمي مونولوجست كباريه ‘لامون روج’ في بغداد، وحيدة جميل.”

يعتمد الروائي هنا على مفهوم ماوراء السرد وماوراء الرواية، برؤية ترتكز على طرق أداء المعنى عبر طرح الواقع وانعكاسه، وهذا التغير في السرد (الميتاواقعية) الذي يفسر للمتخيل أن هناك ربطاً بين الحدث السردي والرؤية التي ترصد تلك الحقبة من الواقعية الزمكانية. لنقول إن النص عمل مفتوح من خلال الوصف والتصور، عبر دلالات وترتيب منسق لمعاني الكلمات الواردة في سياق الخطاب الروائي. وهذا ما استطاع الروائي نزار عبد الستار أن يجسده من خلال إطلاق طاقة النص وتحريره بعيداً عن التكرار، واستخدام لعبة الحضور والغياب، هذه الثنائية وهذا الانفتاح خلق جماليات السرد الروائي من خلال العلاقة المرتبطة بين الماضي والحاضر برؤية ذكية ولافتة من الروائي، عبر البحث الذي قدمه والتأكيد على الفترة التاريخية والتناصات بين النصوص، ثم التأويل وإيحاء الكاتب إلى ماوراء السرد بقصدية واعية، واختراق حدود وطرائق متعددة في بنية السرد وبنية الوحدة الحكائية أسلوباً وبناءً ودلالة.

فشخصيات الرواية العديدة والمتنوعة الخصائص والسمات تقدم للمتلقي الدورات السردية عبر فصول وعناوين موحية. فالروائي يضيء الطريق نحو دلالات النص عبر عتبة العنوان الذي يحمل في نسيجه قيمته الجوهرية، وبداية الولوج إلى عالم كل فصل من الرواية، ليقول في ص٧٧:

“بعد انتهاء تصوير أغنية ‘بتلوموني ليه’ أردت البحث عن أمك لإرجاع الفورور، ولكن مساعد المخرج طلبه رضوان طلب أن أبقيه معي، لأن هناك مشاهد أخرى سأصورها وأنا مرتدية الفورور، وأبلغني بأنه سيتصرف ويبلغ البنت العراقية بذلك.”

فقد وظف الروائي الأحداث بأسلوب سلس وكأنه جزء من مقطع موسيقي، وهذا أعطى الكاتب إضافات جديدة في التصوير والتخييل عبر روايته التي تضم إسقاطات رمزية على الواقع، من خلال إضاءات جميلة ممزوجة بالخيال بدرجة انزياحات عالية على أبعاد الزمن، لينقلنا من زمن الحلم إلى زمن الرغبات الحسية التي تنتمي إلى الواقع، عبر طرح أسئلة أنطولوجية عن قضايا عديدة بأسلوب فني تميز باقتناص اللحظة الزمنية بلغة أقرب للشاعرية في بعضها، وتوسيع دائرة احتمالات المعاني بدلالات ورسائل مشفرة مقنعة للقارئ على شكل لوحات سردية مكثفة، ليقول في ص ٩٠:

“اتصلت مجدداً بمريم فخر الدين وأخبرتها بأنني لا أريد منها مالاً، وأن عليها نسيان هذا، وكل ما أسعى إليه أن يخبر أحدهم السيدة جيهان السادات أن الفورور السواريه الشنشيلا البيج يعود إلى مونولوجست كباريه ‘مون روج’ في بغداد اسمها وحيدة جميل. عبرت لها عن حزني بسبب الاحتمالات الضعيفة، فالفورور عمره الآن نصف قرن وفي هذه الحالة، ربما تخلصت منه السيدة جيهان، لأنه بلي ولم يعد كما كان.”

الروائي استطاع أن يمد جسور الحنين مع الطفولة الأولى والبيئة التي يستحضر طقوسها وماضيها والتجربة العاطفية، ووظف ذلك فنياً من خلال التفاصيل المشهدية والتأملات العميقة، وكثافة الانزياحات اللغوية والتعبيرية المتعددة والتي تحفز مخيلة المتلقي في التواصل مع كل فصل من فصول الرواية. فابتكار الصور السردية والتنويع في التقنيات والتناغم، من خلال خلق مساحة حوارية جريئة بين زمنين، ليقول في ص:

“١٤ سنة مضت على معرفتي أن فورور أمي بحوزة الشهبانو فرح ديبا بهلوي. أربع منها قضيتها بالتودد إلى ‘كريستيز’ لأنها الأقدر على الوصول إلى الإمبراطورة المخلوعة، أما الزمن المتبقي من هذا الرقم فقد صرفته في التأكد من وجود الفورور في باريس.”

يأخذنا الروائي لدفقة شعورية مغامرة، ليبقى الانتظار متفرداً كالصراع الخفي والداخلي، ومهارة التمكن والإبحار خلال أبعاد الزمن والعالم الواقع، مع مساحة شاسعة من الخيال بتراتبية زمنية وبإيفاء وجداني مؤثر، عبر تلك اللوحات السردية المتحركة فوق السطور بمدلول يتدرج في التعبير من بنية إلى أخرى عبر دلالات عديدة متعددة، وتتشظى كما تتشظى الأفعال. فالمشهد الذي ينقلنا إليه الروائي يحيط الأفكار برهافة السرد وفضاءات التجديد في التحول المكاني الراسخ في وجدان وقلب الرؤيا التي تؤثر في الشعور النفسي للمتلقي، ليقول في ص:

“الكمان يعود لموسيقي إيطالي لجأ إلى بغداد في أربعينات القرن العشرين، وعاش فيها وحيداً، هو الذي درب خالتي بدرية على العزف وطور موهبتها، وقبل وفاته أهداها الكمان. هي تدري أنه من صنع ستراديفاريوس وغالي الثمن، ولكنها لا تعرف كم يبلغ سعره. كل الذي في ذهنها أن فيروز لا تقدر على شرائه.”

الروائي نزار عبد الستار يشير إلى طاقة كامنة قادرة على تقديم بث دلالي وسيميائي متعدد الأوجه والتأويلات، ويحفز نداءات السرد الروائي ويدفع المتلقي إلى لذة جمالية متصلة بدفق شعوري وتحول سردي أكثر تشويقاً.

ويذكر أنه صدر للروائي نزار عبد الستار أحد عشر عملاً ما بين الرواية والقصة: “ترتر”، “بيجامة حمراء بدنتيلا بيضاء”، “الأمريكان في بيتي”، “رائحة السينما”، “المطر وغبار الخيول”، “ماذا نفعل لو هاجموا البرابرة”، “يوليانا”، “ليلة الملاك”، “الأدميرال لا يحب الشاي”، “فورور”. ونال الكثير من التكريمات والجوائز، وله حضوره في المشهد الثقافي والإعلامي.

#سفير برس – هويدا محمد مصطفى

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *