إعلان
إعلان

عيد الأم.. حبهن لا يعترف بالغياب بقلم سعاد زاهر

سفير برس-سعاد زاهر

إعلان

ليس “عيد الأم” دائمًا مناسبة للفرح، أحيانًا يتحوّل إلى سؤالٍ موجع، ماذا نفعل بكل هذا الحب الذي لم يعد يجد طريقه إليها؟

أين نضع الاعتذارات التي تأخرت، والكلمات التي لم تُقل، واللحظات التي مرّت دون أن نعرف أنها الأخيرة؟

في هذا الريبورتاج، الذي يأتي بمناسبة عيد الأم، نحاول مقاربة معنى رحيل الأمهات: كيف يواصلن السكن في أبنائهن بعد الغياب؟ كيف يعِدن تشكيلهم من الداخل؟ وكيف يتقاطع حضور الأم مع فكرة الوطن، حين يكون هذا الأخير بدوره أمًّا ناقصة… أو جرحًا مفتوحًا؟

ثلاثة أصوات، ثلاث تجارب، وثلاث طرقٍ لمواجهة هذا اليوم.

نصفنا عندها… ونصفنا يبحث عنها

هل ما زالت أمك تسكن هذا العالم، أم صارت تسكنك أنت؟

يجيب الكاتب عمار الأمير: عند صلاة العصر، في يومٍ مضى عليه أربعون يومًا وعام، وزّعوا ثياب أمي، رحلت إلى بيتها الجديد في المقبرة،رحل الجميع عن قلبي، وبقيت أمي.

عندما تلقيت خبر وفاتها، مات الطفل في داخلي، وهرِم الرجل.

كنت أعيش لها ومن أجلها، هي كل أهلي، وأنا الآن دون أهل، صعدت روحها أدراج الرحمة، هي الغيمة، وهي رائحة التراب، وأنا معلّق بينهما، كنبتةٍ ما زالت بحاجة إلى سقايةٍ من يديها…”

ويتابع مستعيدًا عيد الأم الماضي: “صليت صلاتي السادسة في ساحةٍ رسمت الشواهد فيها لوحة، بحثت في مدينة القبور عن إشارةٍ منها… أي إشارة: حجرٍ يتدحرج، كلمةٍ يكتبها التراب، صرخةٍ يتقيأها الظلام…حزنٌ أعادني وليدًا على صدرها، نوّر الله لأمي في قبرها.”

أما الفنانة التشكيلية فاطمة منصور، فتقول: الأم لم تغادر العالم، بل أعادت تعريفه… إنها تسكنني،

لكن أمي أمّ شهيد، امرأة حملت صمتها أربعة عشر عامًا، تبحث عن قبر ابنها، وحين وجدته أخيرًا بعد التحرير، لم تجد ترابًا فقط، بل “الجزء الآخر من روحها”.

الناشطة مها قصير تصف الرحيل قائلة: “أمي لم تعد تسكن هذا العالم كما كانت، لكنها لم تغادره تمامًا، هي الآن تسكنني أنا… في نبرة صوتي حين أهدأ، في خوفي على من أحب، وفي تلك الرغبة الغامضة أن أُصلح كل شيء.”

كل الطرق تؤدي إلى أمٍّ غائبة

 

كيف تغيّرت ملامحك من الداخل لأنك ابنها؟

يستعيد عمار تفاصيل صغيرة، كأنها بقايا حياة كاملة: “كانت ترى أن الطعام لا يكفي، فتقوم لتتوضأ وتترك لي الصحن. تعود دون أن تأكل.

أراقبها… روحي بين كفيها المجعدتين.

‘كُلْ’… تقول وهي تبتعد، يعود الطعام كما هو، تعود هي مبتلّة اليدين والوجه والقدمين.”

ثم يسترسل: “تفتح علبة خشبية ما زالت رائحة دبس التمر فيها. تخيط زرًّا في قميصي، فتلازمني رائحة أمي ورائحة الدبس.

تعيد الإبرة والخيط بعناية، إلى جانب منديلٍ وسبحة ومصحف صغير وخاتمٍ فضيّ أصبح واسعًا على أصابعها… كأنها تستعد للانتقال.”

ويضيف: “روح أمي من روح البحر. كلما ابتلعت عيوني زرقته، أشعر أنني أزورها.

كانت تفتح المصحف وتضع إصبعها على السطور، رغم أنها لا تقرأ… لكن كلام الله كان يصلها كالنور.

تقطف الياسمين وتضعه في كفي: ‘ضعه في جيبك، سيفوح أريجه’ … فأخبئه، لأنه تبرّك بيدها.”

فاطمة ترى أن ملامحها الداخلية تشكّلت من أمها: “حبٌّ لا يطلب، إخلاصٌ لا يُظهر نفسه، وصبرٌ يشبه الحكمة أكثر مما يشبه الاحتمال.

تعلّمت أن الألم يمكن أن يكون معلّمًا، وأن الفقد يمكن أن يصبح بوابة لفهم الحياة.”

أما مها فتقول: “ملامحي من الداخل لم تعد لي وحدي.

صرت أشبهها دون أن أقصد… أغضب مثلها ثم أندم مثلها، أحب بصمت مثلها، وأخفي تعبي كي لا أقلق أحدًا…

كأنها لم تُنجبني مرة واحدة، بل ما زالت تعيد خلقي كل يوم.”

 

نحبها متأخرين… ونعتذر بصمت

 

هل كنت كافيًا لها… أم ما زلت تعتذر؟

يكتب عمار: “بموت أمي مات الإنذار المبكر، أذكر حين كانت عينها تدمع… بؤبؤها صار رماديًا بعد عملية إزالة الماء الأبيض، كانت عينها اليسرى مغطاة، واليمنى مغبّشة، سمعت صوتي، بحثت عن يدي، أمسكتها… أصابتني رجفة تسقط الخطايا.”

ويتابع: “قالت فجأة: ابتعدوا عن النوافذ…

بعد ثانيتين سقط صاروخٌ قريبًا.

كنت بارًا بها إلى أبعد حد… لكني ما زلت أعتذر.”

اعتذار فاطمة أكثر قسوة، لأنه مزدوج: “كيف يكون الإنسان كافيًا لأم فقدت ابنها الوحيد؟

كل ما نفعله يبدو صغيرًا أمام هذا الألم.”

أما مها فتقول: دائمًا هناك صوت صغير يقول: كان يمكن أن تكوني أفضل، ما زلت أعتذر… لكن ليس بالكلمات، بل بمحاولتي أن أكون كما كانت تتمنى، هنا يتحول الاعتذار إلى مشروع حياة… إلى سعيٍ دائم نحو نسخةٍ أكثر نقاءً من الذات.

حين نشتاق إلى مكانٍ يشبهها

إذا كان الوطن يشبه الأم… فهل خذلك أم احتواك؟

يقول عمار الأمير: “الوطن لم يتمكن حتى اللحظة من أن يكون أمًا… لكن ليس لنا إلا الوطن.”

وترى فاطمة الوطن كأم جريحة، لا أم حاضنة، خذلني حين ضاقت الطرق، وأجبرني على الرحيل… لكني تركت فيه نصف ذاتي..

أما مها فتقدّم رؤيتها قائلة: يشبه الأم حين يكون حنونًا، ويكسر القلب حين يتخلى، أحيانًا يحتضن، وأحيانًا يتركنا نتعلم القسوة وحدنا…لكنه يبقى فينا، حتى لو تعبنا منه.

 

إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *