مبدعات عربيات كتبن رسالة اليوم العالمي للمسرح _بقلم : سلوى عباس
#سفيربرس

سجلت المرأة حضوراً كبيراً وكثيفاً في المسرح ليس كممثلة فقط، وإنما كناقدة ومخرجة، وقد أثبتت تميزها لما تتمتع به من ميزات فكرية ومعرفية تخدم عملها ومشروعها، ولدينا تجارب مسرحية نسائية ناجحة جداً ربما مردها أن المرأة لم تنطلق في العمل المسرحي من خصوصيتها كأنثى، بل عبّرت عن فهمها للعمل المسرحي من خلال التزام اجتماعي سياسي عام، وبالتالي لم يقتصر حضورها وتميزها على العمل في المسرح فقط، بل في الفعاليات والمناسبات المسرحية أيضاً، كمناسبة اليوم العالمي للمسرح الذي يحتفل به مسرحيو العالم في السابع والعشرين من آذار من كل عام، هذا اليوم الذي يجتمع فيه مبدعون مسرحيون جاؤوا من ثقافات مختلفة يجمعهم إبداع واحد وفن أصيل هو المسرح، وقد كتبت العديد من مبدعات المسرح رسائل اليوم العالمي للمسرح، من أبرزهن الكاتبة المصرية “فتحية العسال” التي اختارها المعهد الدولي للمسرح عام 2004 لكتابة رسالة اليوم العالمي للمسرح، وتعتبر العسال المرأة العربية الأولى التي كتبت رسالة اليوم العالمي للمسرح بعد الكاتب سعد الله ونوس، وفي عام 2018 كانت الفنانة اللبنانية “مايا زبيب” من بين خمس شخصيات اختارتهم الهيئة الدولية للمسرح لكتابة وإلقاء رسائلهم في هذا اليوم، وفي عام 2023 تم اختيار الفنانة المصرية سميحة أيوب لكتابة وتلاوة رسالة اليوم العالمي للمسرح.
جوهر الإنسانية
في رسالتها كتبت “فتحية العسال” إهداء للمسرح الذي يمثّل عشقها الأول والأخير إذ تقول: “لقد آمنت بأن أهم ما يميز الكاتب المسرحي هو امتلاء روحه برسالة إنسانية سامية ينشرها بين الناس من أجل الارتقاء بحياتهم وتحريرهم من كل عوامل القهر والاستغلال وانتهاك الكرامات، ولكي يبلغ هذا الكاتب رسالته ويؤثّر في حياة الناس، لا بد له من إتقان صنعته والسيطرة على أساليب التعبير الفني، وإلا تتبدد رسالته أدراج الرياح من دون ان تخلّف وراءها أثراً، أو تحقق هدفاً، ففي كل الأعمال الفنية اقترنت دائماً الرسالة الإنسانية العادلة بنضج التعبير الفني وأصالته”.
بينما انطلقت الفنانة “مايا زبيب” من فكرة المسرح وعلاقته بالإنسان، معتبرة أن المسرح كان وما زال بمثابة “دعوة لأفراد كي يصيروا جماعة، ويستعيدوا بتأنٍ روابطهم الإنسانية، ويجدوا أوجه التشابه بينهم بدلاً من الاختلاف”، وركزت “زبيب” على “العصر الذي وصلنا إليه، إذ باتت “السرعة أهم بكثير من المعرفة، وصور الجثث أكثر تبجيلاً من الجسد الإنساني الحقيقي، ليأتي المسرح ويذكّرنا أننا مصنوعون من لحم ودم”، ولفتت إلى “أهمية المسرح، وقوة الحكاية والخيال، بغية فتح فضاءات للتفكير المشترك وسط الجهل والتعصب”، وتساءلت: “أين يمكننا أن نعيد التفكير في حالتنا الإنسانية، ونتخيل نظاماً عالمياً جديداً، في غير حميمية المسرح”.
أما الفنانة “سميحة أيوب” فأكدت على أهمية المسرح في معالجة القضايا الإنسانية قائلة: “إن المسرح في جوهره الأصلي هو فعل إنساني محض قائم على جوهر الإنسانية الحقيقي ألا وهو الحياة، واستشهدت بمقولة الرائد المسرحي قنسطنطين ستناسلافسكي: “لا تدخل المسرح والوحل على قدميك، اترك الغبار والأوساخ في الخارج، تحقق من ترك مخاوفك الصغيرة والمشاحنات والصعوبات البسيطة مع ملابسك الخارجية – كل الأشياء التي تدمر حياتك وتلفت انتباهك بعيداً عن فنك – عند الباب”. وتضيف: “عندما نعتلي خشبة المسرح فإننا نعتليها وبداخلنا حياة واحدة لإنسان واحد، إلا أن هذه الحياة لديها قدرة عظيمة على الانقسام والتوالد لتتحول إلى حيوات كثيرة نبثها في هذا العالم لتدب فيه الحياة وتورق وتزدهر فقط لننتشي بعطرها مع الآخرين”.
مشعل التنوير
وتؤمن الكاتبة “فتحية العسّال” بقدرة المرأة على تبّني مسرحية محكمة ومتماسكة، وتتساءل: “هل آن الأوان لآلام المخاض أن تعتصر أعماقي وتدفع بكلمتي للوجود.. كلمتي، حبيبتي، طفولتي، ابنتي، أسمع صوتها المختلف عن كل الآهات والأنات المستضعفة المكبوتة المقهورة والمهزومة، والتي يتردد صداها عبر أجيال وأجيال وينوء بها، وبكل المخزون، من رفض للقهر والتبعية، وطلبتُ من قلمي أن يساعدني على أن أُخرج إلى الوجود، عدداً من النساء أعايشهن وأتقرّب منهن متكلمة بألسنتهن، وبذلك نتعرى تماماً أمام أنفسنا ونجلو صدأ السنين ونصرخ في وجه الظروف والأوضاع التي حرمتنا من تفجير طاقاتنا البشرية”، إنني أؤمن بأن “المسرح هو الضوء الذي ينير للإنسان الطريق، ويؤمّن التواصل مع المشاهد، هذا التواصل الذي يوّلد الدفء بيننا، سواء أكنا أمام النص المسرحي أم أمام خشبة المسرح”.
وختمت الفنانة “مايا زبيب” رسالتها، بالحديث عن تجربة فرقتها “زقاق” التي تنقلّت بين “الأقبية والسطوح وغرف المعيشة والأزقة، ومخيمات اللجوء، بغية بناء كل شيء من الصفر في بيئاتنا، وكيف تخلصت من الرقابة واجتازت الخطوط الحمر، مع تأكيدها من جديد، على ضرورة بناء منظومة اجتماعية سياسية “بطريقة خلّاقة”، ومواجهة “القصور”، الذي يتحمّله المسرحيون تجاه العالم، هم المشاركون في الأصل في صنعه”.
وخاطبت الفنانة “سميحة أيوب” عشاق المسرح قائلة: “أتحدث إليكم اليوم لا لمجرد الحديث أو حتى للاحتفال بأبي الفنون جميعاً “المسرح” في يومه العالمي، وإنما لأدعوكم أن تقفوا صفاً واحداً كلنا جميعاً، يداً بيد وكتفاً بكتف لننادي بأعلى صوتنا كما اعتدنا على منصات مسارحنا، ولتخرج كلماتنا فتوقظ ضمير العالم بأسره ابحثوا في داخلكم عن الجوهر المفقود للإنسان.. الإنسان الحر السمح المحب المتعاطف الرقيق المتقبل للآخر، ولتنبذوا هذه الصورة القميئة للوحشية والعنصرية والصراعات الدموية والأحادية في التفكير والتطرف والغلو. لقد مشى الإنسان على هذه الأرض وتحت هذه السماء منذ آلاف السنين وسيظل يمشي فلتخرجوا قدميه من أوحال الحروب والصراعات الدموية، ولتدعوه لتركها على باب المسرح، لعل إنسانيتنا التي أصبح يعتريها الشك تعود مرة أخرى يقيناً قاطعاً يجعلنا جميعاً مؤهلين بحق أن نفخر بأننا بشر وبأننا جميعاً أشقاء في الإنسانية.
وتختم “أيوب”: إنها رسالتنا نحن المسرحيون حملة مشعل التنوير منذ أول ظهور لأول ممثل على أول خشبة مسرح أن نكون في طليعة المواجهة لكل ما هو قبيح ودميم ولا إنساني، نواجهه بكل ما هو جميل ونقي وإنساني.. نحن ولا أحد غيرنا نمتلك القدرة على بث الحياة.. فلنبثها معاً من أجل عالم واحد وإنسانية واحدة.
#سفيربرس _بقلم : سلوى عباس




