إعلان
إعلان

“كركوز وعيواظ”مقهى يتحوّل إلى منصة للحكاية والفن

#سفير برس-سعاد زاهر

إعلان

في زمن تسارعت فيه الحياة وتشابكت الشاشات مع التفاصيل اليومية، تبقى الحاجة إلى فضاءات حية تجمع الناس حول القهوة والحكاية والموسيقا ضرورة إنسانية لا تعوض، يحاول مقهى “كركوز وعيواظ” الذي افتُتح مؤخراً في مدينة جرمانا بريف دمشق، استعادة معنى “القعدة” كمساحة للدفء والتفاعل العفوي، بعيداً عن التقاليد النمطية أو الرؤية السياحية.

في هذا الحوار، يأخذنا الكاتب غيث حمور في جولة داخل رؤيته وفكرته من مقهى “كركوز وعيواظ”، ليشرح كيف يمكن لمقهى أن يصبح منصة للقاء الإنساني والفن، بعيداً عن التقاليد النمطية أو الرؤية السياحية، وكيف يعيد للأجيال الجديدة فرصة استكشاف الفنون الحية.

  • ما الذي يميّز تجربة “كركوز وعيواظ” عن المقاهي التقليدية، من حيث تحويل الجلسة اليومية إلى عرض حيّ تتداخل فيه الحكاية مع الموسيقا والضحك؟

التجربة في “كركوز وعيواظ” تختلف جذرياً عن المعنى التقليدي للمقهى الذي يقدم القهوة وغيرها من المشروبات، ما نطمح إليه هو إعادة إحياء معنى “القعدة” نفسها، كمساحة للدفء والتفاعل الإنساني، حيث يمتزج الحديث العفوي بالموسيقىا، وتتحول الجلسة اليومية إلى لحظة فيها طرب وذاكرة وابتسامة، والفكرة تركز على خلق تجربة تتنفس روح المكان الشرقي القديم، تجربة تجعل الزائر لا يشعر بأنه دخل مقهى تقليدياً، بل فضاء يحمل طابعاً ثقافياً وتراثياً حيّاً.

  • كيف يمكن لهذا الفضاء أن يخلق جمهوراً جديداً يتفاعل مع الفنون الشفوية والبصرية، ويعيد اكتشافها خارج القوالب النخبوية أو السياحية؟

المشكلة ليست في ابتعاد الناس عن هذه الفنون، بل في الطريقة التي قُدِّمت بها أحياناً، إمّا كمواد نخبوية محدودة الوصول، أو كجزء من مشهد سياحي يُستهلك أكثر مما يُعاش.

وهدفنا في “كركوز وعيواظ” هو إعادة هذه الفنون إلى بيئتها الطبيعية، الناس، القعدة، الحوار، اللحظة اليومية البسيطة، حين يلتقي الزائر بالموسيقا أو الحكاية أو الصورة في مكان حي وعفوي، يصبح التفاعل معها أكثر صدقاً، نحن نريد أن يشعر الناس أنهم في مكان مألوف ومحبب، يكتشفون فيه الفن بشكل تلقائي، كجزء من تجربتهم اليومية.

  • إلى أي مدى يستطيع هذا المشروع أن يتحوّل من مقهى إلى منصة ثقافية تُعيد تعريف العلاقة بين الفن والناس؟

المقهى في جوهره مساحة للقاء، للتبادل، ولنشوء الأفكار، لذلك طموحنا يتجاوز فكرة المقهى التقليدي ليصبح فضاءً حياً تنشأ فيه علاقة أكثر قرباً وصدقاً بين الفن والناس.

ونطمح لأن يكون المكان منصة ثقافية يومية، بمعناها الإنساني البسيط، حيث تتجاور الحكاية مع فنجان القهوة، والموسيقا مع الحديث، والفرجة مع تفاصيل الحياة اليومية، حين يحدث ذلك، يصبح الفن جزءاً من التجربة اليومية نفسها، لا نشاطاً مقصوراً على المسارح والقاعات.

  • كيف يمكن لمنتدى “كركوز وعيواظ” أن يتحوّل إلى مساحة تُشبه الناس اليوم، حيث يجلس الناس ليشربوا القهوة ويستعيدوا أنفسهم؟

التحوّل يبدأ من الإحساس الذي يخلّفه المكان في الزائر، الفكرة لا تتمحور حول تقديم قهوة أفضل أو ديكور أجمل، بل خلق بيئة يشعر فيها الشخص أنه ليس مضطراً لأن يلعب دوراً، بل أن يكون كما هو.

وفي المقهى نعيد للقعدة معناها البسيط، مساحة للراحة، للحديث الحقيقي، للضحك غير المتكلّف، ولحظات الصمت، حين يشعر الناس بالأمان والقبول، ويبدؤون تدريجياً باستعادة جزء من أنفسهم التي تُرهقها سرعة الحياة وضجيجها.

ونحن نهيّئ مساحة للناس ليصنعوا تجربتهم بأنفسهم، الحكاية، الموسيقا، النظرة، الفنجان، كل هذه التفاصيل تتحول إلى فسحة لإعادة اكتشاف الذات.

  • ونحن نعيش العصر الرقمي، ما الذي يجعل تأسيس منتدى حيّ قائم على التفاعل فعلاً ثقافياً مهماً؟

في زمن التكنولوجيا، يصبح تأسيس فضاء حي قائم على التفاعل المباشر فعلاً ثقافياً بامتياز، ليس لأننا ضد العصر الرقمي، بل لأن الإنسان يظل بحاجة إلى اللقاء الحقيقي، الصوت غير المفلتر، الضحكة غير الرقمية، والحضور الذي لا يمكن اختزاله بإعجاب أو تعليق.

هذه الفضاءات تعيد الاعتبار للعيش المشترك، فالثقافة لا تُبنى فقط عبر المحتوى، بل عبر الأماكن التي نلتقي فيها، نصغي، ونتشارك فيها الحكايات والذاكرة واللحظة.

  • كيف يعيد هذا المنتدى إحياء روح الحكواتي بطريقة جديدة؟الحكواتي، في جوهره، جزء من جلسة جماعية تُبنى فيها الحكاية بين الراوي والناس، بين السرد والتعليق، بين الخيال والتجربة اليومية، نحن لا نقدم فقرة منفصلة من الحكاية، بل نجعلها جزءاً من روح المكان. ويمكن أن تبدأ الحكاية من موقف عابر أو أغنية أو تعليق بين الجالسين، ثم تتسع لتصبح لحظة مشتركة يتداخل فيها الضحك مع التأمل، والذاكرة مع الحاضر، هنا، لا يُقال للناس ما يحدث ، بل يُقال معهم، ليكونوا جزءاً من الحوار والتأويل والإضافة.
  • ما الدور الذي يمكن أن تلعبه عروض كراكوز في إعادة ربط الجمهور بفنونٍ كانت جزءاً من النبض اليومي لدمشق؟

عروض المنتدى، تعيد وصل الجمهور بذاكرة فنية كانت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لا مجرد حدث استثنائي أو مادة محفوظة في كتب التراث، قيمتها تكمن في استعادة حسّ الفرجة الشعبية واللقاء الجماعي والضحك المشترك، وهي عناصر كانت جزءاً من النبض الثقافي اليومي للمدينة. وعروضنا استحضار فولكلوري، و فن ما زال قادراً على مخاطبة الحاضر، محتفظاً بخفة الظل والسخرية والنقد الاجتماعي.

  • كيف يسهم حضور العود في خلق توازن بين الضجيج الخارجي والحس الداخلي، داخل فضاء المنتدى؟

حضور العود يمنح المكان بعداً وجدانياً عميقاً، لأنه صوت قادر على تهدئة الإيقاع العام، وإعادة ترتيب العلاقة بين الخارج الصاخب والداخل الهادئ، في مدينة مثقلة بالضجيج والسرعة والقلق، يأتي صوت العود كاستراحة داخلية، يعيد الناس إلى طبقة أبطأ وأكثر حميمية من الإحساس.

والعود عنصر يرافق الحكاية، ويخلق مناخاً من الإنصات والتأمل، ويحوّل الفضاء إلى طبقة أكثر صفاءً وقرباً من الذات.

  • هل يمكن لفن ستاند أب كوميدي أن يتحوّل هنا من ترفيه إلى أداة نقدٍ اجتماعي؟

بالتأكيد، الستاند أب كوميدي طريقة ذكية وخفيفة للنظر إلى الواقع وكشف تناقضاته، وفي فضاء حي وقريب من الناس، يمكن أن يتحول هذا الفن إلى أداة للتعبير والمساءلة، حيث يلتقي الضحك مع النقد، والطرافة مع الأسئلة اليومية، ويقترب من التفاصيل الصغيرة في حياتنا ويكشف عبثها وقسوتها، ويمنح الجمهور فرصة رؤية الواقع من زاوية مختلفة، أقل ثقلاً وأكثر وعياً.

  • ما الذي يضيفه هذا المنتدى إلى المشهد الثقافي في لحظةٍ يعيش فيها المجتمع تحولاتٍ عميقة؟

أهم ما يضيفه المكان هو البساطة الحيّة، الحكاية، الموسيقا، الضحك، والفرجة الشعبية كأشكال ثقافية حقيقية، في زمن التشتت والسرعة، يعطي فرصة للناس للإنصات والتفاعل والمشاركة، ليس لأنه كبير أو رسمي، بل لأنه صادق وقريب من نبض الحياة اليومية، والمكان يربط الناس ببعضهم، ويعيدهم إلى ذاكرتهم الثقافية، ويذكّرهم بأن الحكاية والفن ما زالا قادرين على جمعهم والتعبير عن حياتهم.

  • كيف يمنح هذا المكان الجيل الجديد فرصة لاكتشاف الفنون الحيّة بعيداً عن الشاشات والاستهلاك السريع؟

الجيل الجديد لا يفتقر إلى المحتوى، إنما يفتقر إلى التجربة الحية نفسها، عندما يلتقي الشباب بعزف العود أو بحكاية الحكواتي أو بالستاند أب المبني على واقعهم اليومي، لا يستهلكون المحتوى فقط، بل يدخلون في علاقة حقيقية معه، ونحن لا ننافس الشاشات، نقدّم بديلاً إنسانياً، من حيث الحضور، التفاعل، الذاكرة، ومساحة للشعور باللحظة.

  • إلى أي مدى يشكّل تأسيس المنتدى اليوم استجابة لحاجة الناس إلى مساحات آمنة للتعبير، والسرد، والضحك، والموسيقا؟

الناس اليوم بحاجة إلى أماكن يشعرون فيها أنهم يستطيعون أن يكونوا أنفسهم، أن يتحدثوا، أن يسمعوا، أن يضحكوا، أن يشاركوا من دون توتر أو تصنّع.

وفي ظل ضغوط الحياة اليومية، تصبح المساحات التي تمنح الناس الطمأنينة والحرية العفوية حاجة حقيقية، “كركوز وعيواظ” يحاول خلق مساحة آمنة، يجتمع فيها الحكاية بالموسيقا، الضحك بالتأمل، واللقاء بالراحة، مساحة تمنح الناس ما هو بالغ الأهمية، متسع لهم، لأصواتهم، لحكاياتهم، ولشعورهم بأن هناك مكاناً لهم ولحياتهم.

بهذا الشكل، يتحوّل المكان من مقهى إلى فسحة ثقافية حية، حيث الفن والحكاية والموسيقا لتتحول من عروض إلى تجارب تُعاش، وتذكّر الناس بأن الثقافة لقاء وإنسانية وروح مشتركة.

#سفير برس-سعاد زاهر 

إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *