إعلان
إعلان

“بعد رمضان… ماذا بقي في القلب؟”. بقلم :د. عطية العلي

#سفيربرس _الكويت

إعلان

مرّ قرابة شهر على انتهاء شهر رمضان المبارك، وهدأت تلك الأجواء التي كانت تعمر المساجد، وخفّ الزحام الذي كان يملأ الصفوف، وبقي السؤال الصادق الذي لا ينبغي أن يغيب: ماذا بقي من رمضان فينا؟

في رمضان، تمتلئ المساجد بالوجوه المشتاقة إلى السكينة، وتطول لحظات البقاء بعد الصلاة، وتأنس القلوب بذكر الله كأنها وجدت موطنها الحقيقي. غير أن هذا المشهد، على جماله، يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يتغير الإنسان في الموسم، ثم يضعف هذا الأثر بانقضائه؟
إن الله سبحانه هو رب رمضان ورب سائر الأيام، لا يختص قربه بزمان، ولا ينقطع فضله بانتهاء موسم. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
لكن القلوب هي التي تقترب أو تبتعد، تنشط حينًا وتفتر حينًا، وهنا يظهر معنى التربية الإيمانية الحقّة: أن يحسن الإنسان الاستمرار، لا أن يكتفي بلحظات الإقبال.
إن امتلاء المساجد في رمضان مشهد مبشّر، لكنه لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى أثر دائم في السلوك. فالقرب من الله ليس حالة موسمية، بل مسار حياة. وقد قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ليبقى الثبات ميزان الصدق، لا كثرة العمل المؤقت.
ولا يُقاس نجاح رمضان بكثرة ما أديناه فيه من أعمال، بل بقدرتنا على حمل أثره إلى ما بعده. فالطاعة التي تنقطع بانتهاء الموسم تُراجع، أما الصلة الصادقة فتمتد، ولو بهدوء، لأن من عرف الطريق إلى الله لا يتركه.
إن لحظات الصفاء في المسجد ليست غاية، بل زادٌ للطريق، ينبغي أن يصاحب الإنسان في بيته، وعمله، وعلاقاته، وخلقه، وسائر شأنه. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، في إشارة إلى أن الصلة بالله ليست لحظة عابرة، بل توجه دائم لا ينقطع.
ما أجمل أن تعمر المساجد، ولكن الأجمل أن تعمر القلوب. وما أروع اكتمال الصفوف في الصلاة، ولكن الأروع أن تستقيم حياة الإنسان كلها. فالدين ليس موسمًا يُعاش، بل منهجًا يُحيا.
وبعد مرور قرابة شهر على رمضان، لعل السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل كان رمضان ذكرى جميلة انقضت، أم بداية صلة ما زالت حيّة في القلب؟
فالمواسم تمضي… لكن أثرها الصادق هو الذي يبقى.
والله نسأل أن يعيده علينا أعوامًا عديدة، وأزمنةً مديدة، بالخير والإيمان، وأن لا يجعل هذا الرمضان آخر عهدنا به، بل يبلغنا إياه ونحن في زيادة قرب، وحسن طاعة، ودوام صلة به سبحانه.

#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي _ الكويت 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *