“شبه المنحرف” يكتب المأساة بالموسيقا
# سفير برس- سعاد زاهر

يقدّم فيلم “الأنيميشن” القصير “شبه المنحرف” للمخرج أكرم آغا معالجة بصرية غير تقليدية لموضوع اللجوء، حيث يُعاد تشكيل مأساة الهروب من الحرب عبر لغة رمزية تعتمد على الرسوم المتحركة بدل الصورة الواقعية.
الفيلم الذي يُعرض – الاثنين – ضمن الدورة الثانية من تظاهرة أفلام الثورة السورية، مستلهم من شهادات حقيقية في كتاب 19 امرأة للكاتبة سمر يزبك، يركّز على تجربة لاجئين فرّوا من الموت “بلا أحذية”، ويستخدم الموسيقا التي تؤديها عازفة القانون شذى منلا كمسار سردي مواز يعيد تنظيم الفوضى البصرية.
وينطلق العمل من سؤال جوهري: كيف يمكن للأنيميشن أن يقدّم المأساة بطريقة تتجاوز التوثيق المباشر، نحو قراءة أعمق للذاكرة والمعنى؟
يعتمد الفيلم على “الانيميشن” ليفكك المأساة بصرياً، بإيقاع سريع، تتقاطع فيه الموسيقا مع السرد الذي تقدمه عازفة القانون شذى منلا، بحيث تبدو موسيقاها، والتدخلات السردية التي ترويها، تتماوج لتقدّم حالة بصرية على شكل رموز وإشارات وأشكال بصرية، تصيغ حلة اللجوء بإبداع مختلف.
وهذا الخيار ينسجم مع رؤية أكرم آغا في أعماله السابقة، حيث اشتغل في أفلام مثل “انتباه” و “حذاء الجنرال” على تحويل الصورة إلى مساحة تفكير، وكان يعتمد على أدوات رقمية محدودة نسبياً، لكنّه لا ينقل الواقع بل يصيغه بأسلوبه السينمائي الخاص.
ومن أبرز ما يميز الفيلم طريقة تمثيل اللاجئين، فهم لا يظهرون كأشخاص محددين بملامح واقعية، بل كأشكال بصرية تتغير وفق الحالة النفسية والبيئية- فقدان الأحذية- على سبيل المثال، لا يُقدَّم كتفصيل واقعي، بل كعلامة رمزية على الانفصال عن الأرض، وعن المسار الطبيعي للحياة.
وتلعب عازفة القانون شذى منلا دوراً مركزياً في البناء السردي للفيلم، فلا تأتي الموسيقا كمرافقة، بل حالة أساسية توازي الرؤية البصرية، وننتقل عبرها من واقع المأساة واللجوء إلى فضاء تخييلي يتجاوز المكان والزمان، وتبدو الموسيقا وكأنها تعيد ترتيب الفوضى البصرية، فتمنح الشخصيات لحظة توازن مؤقتة داخل عالم مختلف، وهذا الاستخدام للموسيقا يضع الفيلم ضمن تجربة سينمائية تعتمد على الحواس أكثر من اعتمادها على الحوار أو السرد المباشر، ما يعزز طابعه التأملي.
واستلهام الفيلم لشهادات من كتاب 19 امرأة يضيف بعداً توثيقياً مهماً، لكنّه لا يترجم النصوص حرفياً، فالمادة الأصلية، التي توثق تجارب نساء سوريات خلال سنوات الثورة، تتحول في الفيلم إلى بنية بصرية مفتوحة، تُعيد توزيع الألم بدل نقله كما هو.
ولا يمكن تصنيف “شبه المنحرف” بسهولة ضمن نوع سينمائي محدد، فهو يستعير من الوثائقي مادته الأساسية، ومن السينما الشعرية لغته البصرية، ومن “الأنيميشن” أدواته التقنية، وهذا التداخل يجعله أقرب إلى تجربة فنية هجينة، فالهدف لا يعود لتقديم قصة مكتملة، وإنما لخلق حالة إدراكية لدى المشاهد.
والإيقاع البطيء، وتكرار بعض الصور، والاعتماد على الرموز، كلها عناصر تضع المتلقي في موقع التأمل أكثر من موقع المتابعة.
ويأتي الفيلم أيضاً ليعيد فتح سؤال أوسع حول مكانة “الأنيميشن” في العالم العربي، وكما يشير مخرجه في أحد لقاءاته أن هذا الفن مرتبط في الوعي العام ببرامج الأطفال، نتيجة هيمنة النموذج التجاري الذي قدّمته صناعة الرسوم المتحركة الغربية، مقابل غياب تقاليد عربية قوية في هذا المجال.
في المقابل، يشير تاريخ “الأنيميشن” عالمياً إلى مسارين مختلفين: مسار ترفيهي استهلاكي، ومسار فكري سياسي استخدم الرمزية والخيال للتعبير عن قضايا معقدة، وينتمي “شبه المنحرف” بوضوح إلى المسار الثاني، محاولاً نقل “الأنيميشن” من هامش الترفيه إلى مساحة التفكير.
#سفير برس- سعاد زاهر




