إعلان
إعلان

الروائية فاطمة البقاعي لسفيربرس “الروائي الحقيقي قادر على خلق عالم كامل من العدم، يمنح شخصياته روحاً وصوتاً وذاكرة”

#سفير برس – حوار: هويدا محمد مصطفى

إعلان

لم تقف عند حدود الزمن، بل كسرت القيود، ونسجت من روحها قصصاً وروايات لتبقى الضوء في عيون الظلام. روائية تميزت بأسلوبها السردي، ولغتها المتينة، والمعاني العميقة التي نسجتها بحروف أنثى متمردة على الواقع؛ من الألم ومعاناة الظلم والحرب، إلى الإرادة وكسر قيود الصمت بحروف جريئة امتزجت بإحساس مرهف من خلال تناولها لقضايا عديدة، حولتها بإبداع متمرس لروايات تشبه العمل الدرامي. ولديها الكثير من المشاركات في معارض دولية. وصدر للروائية فاطمة البقاعي: “عشق وكبرياء”، “وأكون أو لا أكون”، “مرآتي”، “حبيبي كجبران”، “مازلت مرآة روحي”، “اللؤلؤ المكنون”. وحالياً، تكتب رواية ضخمة من ذاكرة الحرب. إنها الروائية فاطمة البقاعي من دمشق، بلدة يلدا. “سفير برس” التقى الروائية، وكان لنا معها هذا الحوار:

*- ما هي اللحظة التي أخذتكِ لعالم الكتابة، ومن كان وراء ذلك؟

**_ اللحظات التي أخذتني إلى عالم الكتابة كثيرة، وأهمّها كان تركي للمدرسة بعد حصولي على الشهادة الابتدائية، والتزامي البيت لأكون فقط ربة منزل.

بعد سنواتٍ من العزلة، وجدتُ نفسي أخربش على دفاتر إخوتي المدرسية، ففي تلك الفترة لم يكن متاحاً لي الحصول على الورق والأقلام. كنتُ أخاف أن أنسى القراءة إن طالت عزلتي أو ابتعادي عن الناس.

شُغفت بمتابعة البرامج الثقافية عبر شاشة التلفاز، وتعلّمتُ كثيراً من خلال مشاهداتي ومتابعاتي، وكان وراء ذلك الإعلامي زاهي وهبي الذي، من دون أن يدري، صنع مني ما صنع عبر فقرته «قرأتُ لك» في برنامج «صباح الخير» على تلفزيون المستقبل.

لكنني لم أبدأ مباشرة بكتابة الرواية، بل كانت البداية مجرد خربشات تحوّلت مع الوقت إلى مذكّرات ويوميات امتدّت طويلاً، وكانت ملاذي الوحيد وصوتي الخافت في وجه الصمت والعزلة.

*- تكتبين الرواية التي تعتمد على تدوين اللحظات والمشاهد التي تختزنها الذاكرة. ماذا تحدثينا عن ذلك، وما هي الأحداث التي تكتبكِ؟
**_قبل أن أحصل على كتب أقرأها، كانت كتاباتي ركيكة جداً، مجرّد خواطر وقصائد شعر إن أنصفتها. كنتُ أرسم لوحدتي حبيباً كتبتُ له جلّ خواطري، وكانت نافذة غرفتي الصغيرة شاهدة على الليالي التي سهرتها وحيدة بين دفتري وأقلامي.

عشقتُ ذلك الخيال الذي كنت أملكه، فلكل شخصية رسمتها على الورق حكاية، وحكايات كثيرة تشبه قصص الحب التي كنت أسمع عنها، تلك التي كانت تحدث خلف الأبواب المغلقة التي أوصدها الخوف والعادات والتقاليد البالية في بيئة محافظة وصارمة.

«حب في الذاكرة» كانت أول رواية بدأت بكتابتها في سنوات مراهقتي الأولى، فصنعتُ من نفسي «حنان» بطلة الرواية، ورسمتُ لها حبيباً اسمه «هشام». كانت تلك أول صرخة داخلي: حنان التي تريد التغلّب على الظروف، وقهر العادات، والخروج من البئر والصعود إلى القمّة. أعشق هذه الرواية رغم بساطتها، ورغم أنها لم ترَ النور حتى اليوم.

كانت ذاكرتي غنيّة وحاضرة؛ فتلك الرواية تبعتها روايات أخرى، وكان أجملها قصة رسمتها في خيالي عن فتاة ريفية بسيطة من بيئة متعصبة، حلمت وأُعجبت بفنان ما، ومن شدّة إعجابها به قررت أن تكتب له رواية. وقد أوهمني خيالي آنذاك بأنني ربما أصل إليه يوماً، وأنه سيقرأ روايتي ويكون بطلها درامياً. نعم، تمنّيت ذلك كثيراً، لكن الظروف حالت دون وصول الرواية إليه، وكبرنا معاً، ولم يعد صالحاً ليكون بطلها. ثلاثون عاماً مضت، وما تزال الرواية تنتظر أن تتحوّل إلى مسلسل.

أتصدقين؟ حين نشرت الرواية في مصر، بعد أن تعرّفتُ إلى دار نشر عبر الإنترنت وتم التعاقد بعد سنوات طويلة من الانتظار، ظنّ القرّاء حين وصلت إليهم أنها سيرتي الذاتية، حتى شاع في دار النشر أنها مجرد مذكّرات شخصية. كيف أقنع هؤلاء بأن تلك الرواية كانت خيالاً… مجرد خيال كنت أنا وحدي بطلته؟

*- العمل الروائي يعتمد على السرد، كيف تحلّقين بهذا العالم وتجعلين المتلقي يبحث عن أعمالكِ؟

**_نعم، عالم الرواية رحب وممتع إلى أبعد الحدود، ويكفيني أن أُقنع القارئ، أيّاً كان، بأن ما أكتبه حقيقة ربما عشتها أو عاشها من حولي.

يسعدني أن أصل إلى قلوب القرّاء من خلال سردي البسيط والمتواضع، ذلك السرد الذي، وإن كان خيالاً، لا يمكنني إنكار أن الواقع يقتحمه بكل فصوله. أجد نفسي أسبح في خيالي وأذهب إلى مذاهب تخرجني من عزلتي، وتخترق حدود المنطق، فأجوب الشوارع والساحات، وأختلط بالناس، وأسمع حكاياتهم، وأسجّل كل حوار يمرّ أمامي على دفتري، دون أن أغادر غرفتي الصغيرة.

البساطة وحدها هي ما تجعل سردي يصل إلى المتلقي، شاء هذا المجتمع الذي أعيش فيه أم أبى، وربما لأن الكتابة بالنسبة لي لم تكن يوماً ترفاً، بل نافذة نجاة وقطعة ضوء وسط عتمة طويلة.

*- هل تناولتِ قضايا المرأة في رواياتكِ، وما هو الجانب الذي يؤثركِ تجاه المرأة؟

**_ في كل رواية نكتبها نحن النساء، نجد أنفسنا، من دون تفكير، ننجرف نحو قضايا المرأة.

كم صرختُ في كتاباتي: من حقي الخروج، ومن حقي التعليم، ومن حقي أن تكون في بلدتي مدرسة إعدادية وحتى ثانوية. فالمدارس الابتدائية لم تعد تكفي الفتاة للتعلّم. أن تتعلّم القراءة والكتابة أمر جميل، لكنه لم يعد كافياً. كان علينا أن نخرج عن النص، وعن تلك البقعة التي اكتفت بشهادة ابتدائية فقط.

وكانت هناك فتيات كثيرات، رغم صغر سنّهن، لم يُسمح لهن بالذهاب إلى المدرسة، إذ ظلّ عار الخوف يرافق كل منزل في البلدة. كانت الفتاة تُوصَف باللعنة والعار والنقمة، لذلك كان علينا أن نصرخ وندافع عمّا هو حقّ لنا: أن تتعلّم الفتاة، وأن تختار شريك حياتها، وأن تنزع عنها ثوب الخوف والتقاليد البالية. أن تصرخ بأعلى صوتها: «أريد أن أعيش».

اليوم تغيّرت البلدة كثيراً، وأصبح لدينا مدارس، ودخلت الفتاة معارك الحياة، فتعلّمت وأصبحت طبيبة ومهندسة ومعلّمة ومربية، وأصبحت عنصراً أساسياً في نهوض المجتمع من كبوته. صار للمرأة كيان وصوت وحضور، وهذا وحده انتصار يستحق أن يُكتب عنه ألف مرة.

*- برأيكِ، العمل الروائي هو عمل درامي واقعي أم يعتمد على التخييل؟ وأيهما الأقرب للمتلقي؟
**_ هو واقعي أكثر من كونه خيالاً، وإن كان للخيال دور مهم في نجاح النص الروائي أو الدرامي. وأتمنى بالفعل أن تتحوّل بعض رواياتي إلى أعمال درامية يشاهدها الناس.

في معظم رواياتي، جسّدتُ الواقع بحذافيره، ولهذا أجدها قريبة جداً من المتلقي ووجدانه. فالناس تبحث عمّا يشبهها، عمّا يلامس وجعها وأحلامها الصغيرة. وفي وقتنا الحالي، وقد غزت الروايات الخيالية عالمنا وأصبحت في متناول القرّاء والمراهقين والأطفال، أرى أننا بحاجة للعودة إلى الواقع، إلى السرد الحقيقي الذي يحكي قصصنا هنا وهناك، ويمنح الإنسان شعوراً بأنه ليس وحيداً في هذا العالم.

*- كيف تجدين واقع الرواية بشكل عام، وهل هناك نقد روائي؟

**_ للأسف، في الآونة الأخيرة قرأتُ عدة روايات لكتّاب من سوريا والوطن العربي، ولم أجد ذلك الحس السردي الذي يشدّ القارئ ويجعله أسير الصفحات حتى النهاية.

حين كنت أحمل رواية للأديبة الراحلة كوليت خوري، كنت أقرأها أحياناً في ليلة واحدة من شدّة جمالها ومتعتها، وكلما امتد الوقت كنت أشعر بأن الشغف يزداد أكثر. أما روايات هذه الأيام، فلا أدري… ولا أريد الخوض كثيراً في هذا الحديث، لكنني أستطيع القول إن الرواية تراجعت كثيراً، ولم تعد تحمل تلك اللهفة التي كنت أشعر بها حين أقرأ لكتّاب آخرين أمثال محمد الحفري ومحمد الطاهر وسهيل الديب وآخرين، مع حفظ الألقاب.

ورغم ذلك، ما زلت أؤمن بأن الرواية الحقيقية لا تموت، وأن النص الصادق قادر دائماً على الوصول إلى قلب القارئ مهما تغيّرت الأزمنة.

*- في رواية “حبيبي كجبران”، ماذا تدور أحداث الرواية، وهل العنوان له علاقة بشهرة الرواية برأيكِ؟

**_ اخترتُ للرواية عنواناً جديداً، وأظن أن أحداً لم يسبقني إليه. عنوان يشدّ القارئ من اللحظة الأولى، ويأخذه إلى عالم مليء بالمشاعر الجياشة، فيجد نفسه يعود تلقائياً إلى رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران وقصة الحب التي جمعتهما.

تدور أحداث الرواية حول فتاة مراهقة بارعة في كتابة رسائل العاشقين، وهذه النقطة سرقتها من سنوات مراهقتي، إذ كنت أكتب تلك الرسائل لكل فتاة تريد التعبير عن مشاعرها لمن تحب، وقد برعتُ في ذلك كثيراً.

تبدأ القصة حين تصل إلى بريد صديقتها رسالة كتبها رجل عاشق إلى من يحب عن طريق الخطأ، بعدما أخطأ في رقم صندوق البريد. وصلت الرسالة إلى صديقتها التي كانت تبحث هي الأخرى عن الحب، لتحاول الهرب من بيئتها وحدود المكان الضيقة. لكن البطلة الحقيقية كانت هي من تردّ على الرسائل بأسلوبها الأدبي الشيق، ولكل رسالة مذاقها الخاص.

ومن دون علم صديقتها، تعلّقت بكاتب الرسائل، رغم أنه قدّم اعتذاراً عن إرسال الرسالة الأولى بالخطأ. لم يرضها اعتذاره، بل استمرت في الكتابة، وتعمّقت العلاقة بينهما حتى تحوّلت إلى قصة حب تشبه إلى حد بعيد قصة مي وجبران، واستمرّت سنوات طويلة، قبل ظهور الهواتف المحمولة في حياتنا. الأحداث طويلة وعميقة ومتشابكة، وتحمل الكثير من الحنين والانتظار والشوق.

وهذا كان إهدائي في الرواية إلى جبران خليل جبران ومي زيادة:
«إلى تلك الروح الظامئة دائماً للحب، إلى طفولتي، إلى حلمي، إلى طموحي الثائر على الدوام لصنع المستحيل…
إلى روح جبران خليل جبران ومي زيادة، اللذين كانا مصدر إلهامي لكتابة هذه الرواية البسيطة.
لم تكن الرسائل التي جمعتهما مجرد كلمات، بل بركان عشق جارف انفجر في مخاض الحروف، فكانت ولادة الرواية متعثرة بعض الشيء، لكنها في النهاية صرخت، وأعلنت انتصارها، وخرجت إلى النور».

*- هل النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي حقق لكِ الشهرة، وهل الرواية الإلكترونية تصل للقارئ بنفس الكتاب الورقي؟

**_ نعم، إلى حدٍّ ما، لكن ليس بالمقدار الذي كنت أطمح إليه. فالشهرة لا تأتي من فراغ، بل يرافقها سهر وتعب ومتابعة وكتابة مستمرة.

وبسبب ظروفي الصعبة وعدم خروجي أو مشاركتي في الفعاليات الثقافية، وجدتُ في هذا الفضاء الرحب عالمي الذي أعشقه وملاذي المفقود. كتبتُ وكتبتُ حتى شعرت أحياناً أن الكتابة ملّت مني، وأن الإلهام لم يعد يرافقني كما كان، فبهتت الرغبة قليلاً، لكنني ما زلت أؤمن أن الإعصار سيأتي يوماً، وستتدفق كلماتي أنهاراً من جديد، وسيخرج اللؤلؤ المكنون من أعماقي.

أما بالنسبة للرواية الإلكترونية، فأنا أرى أن الرواية الورقية تصل إلى المتلقي بروحٍ أعمق وأدفأ. حين نلمس الورق بأصابعنا، ونسمع هسيس الصفحات، ونلتهم المفردات بعين القلب، تكون المتعة مختلفة تماماً، وكأن الكتاب يتحوّل إلى كائن حي يرافقنا ويشبهنا.

*- ماذا يمتلك الروائي من أدوات، وماذا يميزه عن باقي الأجناس الأدبية؟

**_يمتلك الروائي قدرات وأدوات هائلة قد لا يملكها الكاتب العادي، فالرواية عالم واسع له دهاليز عميقة تأخذنا إلى سراديبها دون أن نشعر. الروائي الحقيقي قادر على خلق عالم كامل من العدم، يمنح شخصياته روحاً وصوتاً وذاكرة، ويجعل القارئ يعيش أفراحها وانكساراتها وكأنها جزء منه.

أما بالنسبة لي، فلا أجد نفسي في نوع آخر من الكتابة، فقد اعتدت السرد المطوّل والوصف الدقيق الذي قلّما نجده في أجناس أدبية أخرى. الرواية بالنسبة لي ليست مجرد كتابة، بل حياة أخرى أعيشها بكل ما فيها من ألم ودهشة وشغف.

*- هل لديكِ مشاركات في معارض، وماذا قدّمت لكِ؟

**_نعم، شاركت روايتاي «عشق وكبرياء» و«أكون أو لا أكون» في عدة معارض حول العالم، منها تونس والجزائر وإسطنبول والقاهرة والسودان. كما شاركت روايتا «ما زلتِ مرآة روحي» و«اللؤلؤ المكنون» في معرض دمشق الدولي للكتاب ومعرض إسطنبول أيضاً، بينما شاركت رواية «مرآتي» في معرض الرياض الدولي للكتاب، أما «حبيبي كجبران» فشاركت في معرض الكتاب بدمشق قبل سنوات.

ورغم أن هذه المعارض لم تحقق لي ما كنت أطمح إليه بالكامل، ولم تقدّم لي سوى بعض التشجيع ورفع المعنويات، فإنني أعتقد أنني أتحمل جزءاً من المسؤولية، لأنني لا أخرج كثيراً، ولا أشارك أو أتابع كتبي كما يجب. ودور النشر غالباً ما يكون اهتمامها محدوداً حين تشعر أن الكاتب نفسه بعيد عن المتابعة والحضور.

ومع ذلك، أضافت لي تلك المعارض اسماً في عالم الأدب، وهذا وحده كان حلماً كبيراً بالنسبة لي: أن أشعر يوماً أن كلماتي استطاعت أن تعبر الحدود وتصل إلى قلوب القرّاء في أماكن بعيدة.

#سفيربرس _هويدا محمد مصطفي 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *