من صحار إلى بكين… عُمان تعيد قراءة موقعها في عالم يتغير _ د. شاهر الشاهر
#سفيربرس _بكين

من صحار إلى بكين… عُمان تعيد قراءة موقعها في عالم يتغير
د. شاهر الشاهر
أستاذ في كلية الدراسات الدولية
جامعة صن يات سين – الصين
تأتي زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى جمهورية الصين الشعبية في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد الاضطرابات في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ولهذا، فإن أهمية الزيارة تتجاوز تطوير العلاقات الثنائية، لتلامس موقع سلطنة عُمان في التحولات الجارية، وطبيعة الخيارات الاستراتيجية التي تسعى إلى تعزيزها في عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.
وتكتسب الزيارة دلالة تاريخية إضافية باعتبارها أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978، كما أنها تأتي بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ. وهي تعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية إلى مستويات أوسع، في وقت أصبحت فيه الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لعُمان، وأصبحت فيه منطقة الخليج جزءاً مهماً من حسابات بكين الدولية.
من صحار إلى قوانغتشو.. تاريخ يتجاوز العلاقات الدبلوماسية
تستند العلاقات العُمانية الصينية إلى جذور تاريخية عميقة سبقت قيام الدولة الحديثة. ففي القرن الثامن الميلادي، وصل التاجر والملاح العُماني أبو عبيدة عبد الله بن القاسم إلى مدينة كانتون، المعروفة اليوم بقوانغتشو، قادماً من ميناء صحار نحو عام 750 ميلادية. وكانت تلك الرحلة جزءاً من شبكة تجارية بحرية ربطت المحيط الهندي وبحر العرب بالموانئ الصينية، وجعلت من عُمان إحدى نقاط الاتصال المهمة بين الحضارات.
تكتسب هذه الذاكرة أهمية خاصة اليوم؛ فالسفينة العُمانية «صحار» أعادت إحياء ذلك المسار التاريخي، وانطلقت عام 1980 لتصل إلى قوانغتشو عام 1981، في رحلة استحضرت تاريخاً طويلاً من التواصل البحري. وقد تحول هذا الإرث إلى رصيد ثقافي ودبلوماسي يدعم العلاقة المعاصرة بين البلدين.
وعندما أقامت مسقط وبكين علاقاتهما الدبلوماسية في 25 أيار/مايو 1978، كانتا تؤسسان لمرحلة حديثة من علاقة أقدم من ذلك بكثير. ثم ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2018، لتشمل مجالات أوسع من التجارة والطاقة، وتمتد إلى الاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والتعاون السياسي.
المصالح الاقتصادية في زمن التحولات الدولية
تكتسب سلطنة عُمان أهمية خاصة في الحسابات الصينية بسبب موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب وبحر عُمان، وقربها من مضيق هرمز، وامتلاكها موانئ ومناطق اقتصادية قادرة على تعزيز حركة التجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. فالصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على التجارة البحرية، تنظر إلى الخليج باعتباره فضاءً استراتيجياً يتجاوز أهميته موارد الطاقة، ليشمل طرق الإمداد والأسواق والاستثمارات والاتصال الدولي.
وتكشف الأرقام عن حجم المصالح المتبادلة؛ فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 36.73 مليار دولار عام 2024، وبلغت الواردات الصينية من عُمان نحو 30.93 مليار دولار، معظمها من النفط الخام. كما استوردت الصين 40.77 مليون طن من النفط العُماني خلال العام نفسه، لتصبح عُمان خامس أكبر مصدر للنفط إلى السوق الصينية.
لكن الرهان الأهم يتعلق بمستقبل هذه العلاقة. فبالنسبة إلى عُمان، تمثل الصين فرصة لدعم أهداف رؤية عُمان 2040، ولا سيما في الصناعة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي. وتبرز المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وموانئ صحار وصلالة بوصفها مواقع يمكن أن تستقطب استثمارات صناعية صينية وتتحول إلى مراكز إنتاج وتصدير تربط الأسواق الآسيوية والأفريقية والعربية.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من معادلة النفط والتجارة التقليدية إلى شراكة تقوم على التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية. فقيمة الاستثمار لا تتحدد بحجم الأموال التي تدخل الدولة فقط، بل بما يضيفه إلى قدرتها الإنتاجية والمعرفية، وما يتيحه من فرص عمل وتنويع اقتصادي.
الدبلوماسية العُمانية وأمن الخليج
تتمتع السياسة الخارجية العُمانية بخصوصية واضحة في المنطقة، ارتبطت تاريخياً بالحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، والابتعاد عن الاستقطاب الحاد. وقد منحت هذه السياسة مسقط قدرة على أداء أدوار الوساطة في ملفات إقليمية ودولية معقدة، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار الخليج لا يمكن أن يتحقق من خلال استبعاد أحد أطرافه.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، حافظت عُمان على علاقاتها مع الطرفين، ثم أصبحت لاحقاً قناة مهمة للحوار بين إيران والولايات المتحدة، وأسهمت في تهيئة الظروف للمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. كما استضافت جولات الحوار السعودي الإيراني خلال عامي 2021 و2022، قبل أن تتوج المفاوضات باتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية في بكين عام 2023.
واللافت أن البيان الثلاثي الصادر آنذاك أشار إلى الدور الذي أدته عُمان والعراق في استضافة جولات الحوار السابقة. وهذه إشارة مهمة إلى التكامل الممكن بين الدبلوماسية الإقليمية والدور الصيني المتنامي في دعم التسويات السياسية.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل التطورات التي شهدها مضيق هرمز خلال عام 2026. فقد دخلت عُمان وإيران في مشاورات بشأن ضمان استئناف الملاحة الآمنة، وناقشتا إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك، وإزالة الألغام، ووضع ترتيبات أكثر استدامة لإدارة الحركة البحرية، مع التأكيد على احترام القانون الدولي وسيادة الدول الساحلية.
هذه القضية تمس المصالح الصينية بصورة مباشرة؛ فاستقرار المضيق يرتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد الدولية.
من هنا، يمكن أن تشكل العلاقة بين مسقط وبكين مساحة للتشاور حول أمن الممرات البحرية، ودعم الحلول الدبلوماسية التي تمنع تحول الخلافات الإقليمية إلى أزمات دولية واسعة.
عُمان والصين في عالم متعدد الأقطاب
تأتي الزيارة أيضاً في سياق سعي دول الخليج إلى تنويع علاقاتها الدولية. فالتنافس الأميركي الصيني، والصراعات التكنولوجية والتجارية، وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد، تفرض على الدول إعادة النظر في مصادر قوتها وشبكة شراكاتها الخارجية.
ولا يعني تعزيز العلاقات مع بكين التخلي عن الشراكات العُمانية مع واشنطن أو غيرها من القوى الدولية. فالمسألة تتعلق بتوسيع الخيارات والحفاظ على استقلال القرار الوطني، بحيث تستطيع الدولة بناء علاقات اقتصادية وسياسية متوازنة دون أن تتحول إلى طرف في صراعات المحاور.
وهنا تبرز خصوصية التجربة العُمانية؛ فالسلطنة تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وشبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، وخبرة دبلوماسية قائمة على الحوار. ويمكن لهذه العناصر أن تجعل منها حلقة وصل بين الصين ودول الخليج والعالم العربي، ليس في المجال التجاري وحده، بل أيضاً في التعاون الثقافي والأكاديمي والسياسي.
إن زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى بكين تفتح المجال أمام مرحلة أكثر اتساعاً في العلاقات الثنائية، شرط أن تتحول التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية وتقنية ملموسة، وأن يرتبط التعاون بأولويات التنمية العُمانية ومصالح البلدين طويلة الأمد.
من صحار التي انطلقت منها السفن العُمانية نحو الموانئ الصينية قبل أكثر من اثني عشر قرناً، إلى بكين التي أصبحت أحد المراكز المؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، يمتد تاريخ طويل من التواصل. واليوم، تحمل هذه العلاقة فرصة جديدة تتجاوز استعادة الذاكرة إلى بناء المصالح المشتركة.
لقد أدركت عُمان أن الجغرافيا تمنح الدولة موقعها، لكن السياسة هي التي تحدد كيفية توظيفه. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة، تستطيع مسقط أن تعزز حضورها من خلال الجمع بين شراكات اقتصادية واسعة ودبلوماسية تحافظ على قنوات الحوار. وهذا ربما يكون المعنى الأعمق للزيارة: أن تمتلك الدولة خيارات متعددة، وأن تحمي استقلال قرارها، وأن تجعل من موقعها الجغرافي جسراً للتعاون والاستقرار.
#سفيربرس _د. شاهر الشاهر
أستاذ في كلية الدراسات الدولية
جامعة صن يات سين – الصين




