“التربية على البرّ في زمن الضعف”.. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
يقول الله تعالى:﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، إمّا يبلغنَّ عندك الكِبَر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾ (الإسراء: 23)
آيات يسيرة الحروف، عميقة الأثر في النفوس، حين تُقرأ بقلوب واعية، لا بالألسنة فقط، ندرك أن القرآن الكريم لا يأمرنا بالبرّ كتوجيه عام مجرد، بل يرسم خريطة العلاقة بين الأبناء وآبائهم عبر الزمن.
توقّف إن شئت قليلًا عند قوله تعالى: ﴿عندك الكِبَر﴾… لم يقل: عندهم، ولم يقل: في الكبر، بل قال: عندك!
في الصغر كنا نحن عندهم: تحت كنفهم ورعايتهم، وفي صبرهم ودفء أحضانهم . أما حين يتقدّم بهما العمر ويضعف الوالدان، يصبحان هما عندنا: في حاجتهما، في ضعفهِما، وفي انتظارنا.
وهنا تتضح دقة البرّ الأصيل، الذي لا يقتصر على النفقة أو الخدمة الجسدية، بل يبدأ من المبادرة الدقيقة قبل أن يطلبا شيئًا.
البرّ الأصيل… أن تملأ كوب الماء للأم قبل أن تسأل، أن تعرف ما يريده الأب قبل أن يطلب، أن تجلس معه وتسامره، وأن تعطيه سمعك في حديثه قبل أن يطلب انتباهك.
المبادرة قبل الطلب تخفف عنهما الحياء والتردد، وتحقق إحسانًا حقيقيًا ينبع من القلب لا من مجرد أداء الواجب.
وبالمثل، يجب أن نحذر من أدق التفاصيل في تعاملنا معهما؛ فالنية الطيبة وحدها لا تكفي إذا شابها شيء من الانزعاج.
فالقرآن يلفت نظرنا إلى أدقِّ الجزئيات: ﴿فلا تقل لهما أُفّ﴾.
ليست مجرد كلمة، بل كل نغمة صوت متبرّمة، أو ضجر في الرد، قد يؤذيهما حتى ولو لم يطلبا شيئًا.
ثم يأتي التوجيه الأعظم: ﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾، كلمة تحفظ كرامتهما، تطمئن قلبيهما، وتترك أثرًا لا يُنسى حين تُقال بحب وصدق.
هذه الآيات تربي الأبناء على إنسانية عالية وشرف أخلاقي، وتذكّرهم بأن البرّ ليس واجبًا ثقيلًا، بل فرصة نادرة، فرصة للرحمة قبل الحاجة، وللكلمة الطيبة قبل السؤال، وللفعل قبل الطلب.
#سفيربرس _ د. عطية العلي _ الكويت


