من وادي الفيض إلى جامعة هارفرد الدكتور سليمان نجم خلف و تحدٍ مع الواقع والذات
#سفيربرس _حاوره: محمود الجدوع - أحمد رشاد
في منتصف ستينيات غادر قريته الصغيرة الغافية على كتف وادي الفيض الذي يصب في نهر الفرات, هذا الوادي الذي كان ذات يوم منبع للخير والحياة. غادر نحو العالم المغير لعوالم الصحراء والبادية توجه نحو بريطانيا ليغادرها بعد سنتين متوجهاً إلى بيروت حيث الجامعة الأمريكية ليكمل دراسته في علم الاجتماع ويحصل على البكالوريوس ومن ثم الماجستير ويعد شهادة الدكتوراة لينتقل بعدها إلى بلاد العم سام هناك حيث العالم الجديد يفتح ذراعيه مستقطباً كل الطاقات الإبداعية. إنه الدكتور سليمان نجم خلف الذي يحمل بين جنبيه قلباً مفعماً بالحب للإنسانية, وعقلاً نيراً متنوراً, و طاقة هائلة لم نستفد منها نحن أبناء هذه البلاد.
يقول الدكتور سليمان: هذه مشكلة وأزمة المثقف المهاجر الذي يجد نفسه على عدة جبهات في موقع العمل ليجد نفسه أثناء زياراته لبلده وأهله تنحصر في مجال الألفة والعواطف. فزيارتي لبلدي لا تتجاوز عشرة أيام ويضيف الدكتور سليمان وددت لو أني زيارتي تمتد لأشهر لقمت بإلقاء محاضرات إقامة نشاطات متنوعة.
كثيرٌ منا بقي أسير واقعه فظل في سجن المكان مقيداً, كنوز كثيرة تزخر بها هذه المنطقة وطاقات بشرية هائلة ولدت على هذه الأرض فكان لها حضورٌ ملفت ومتميز على كافة الأصعدة وفي مجالات متعددة ومتنوعة.
التقت سفيربرس بالدكتور سليمان نجم خلف خلال زيارته لسورية ولمدينته الرقة فكان لنا معه جلسة ممتعة تطرق فيها الحديث إلى أشياء عديدة من خلال حديثه الشق والممتع وعفوية الحوار الذي جرى في مكتب يعج بالزوار والمراجعين وكان الأمر مقصوداً على أن يكون هكذا بشكل عفوي رغم بعيداً عن كل القيود.
يبدأ الكتور سليمان حديثه عن التراث قائلاً: العمل في مجال التراث المعنوي عمل جديد على بلادنا بشكل عام من حيث الدراسة والتوثيق وإقامة الندوات والمحاضرات وطباعة الكتب والمساهمة بإبراز التراث المعنوي عربياً ومن ثم عالمياً. لقد قامت منظمة اليونسكو بعقد اتفاقية طوكيو عام 2003 موجهة خصيصاً لما يمكن تسميته صون الثقافة والتراث الإنساني ووقعت على هذه الاتفاقية 116 دولة, وتهدف هذه الاتفاقية إلى دراسة وتوثيق تراث هذه الدول والعمل على إبرازه, واليونسكو لم تعد تُعْنى فقط بالتراث المادي كالقلاع والحصون والمناطق الأثرية إنما وصل اهتمامها إلى العادات والتقاليد والموروث الشعبي.
ويتحدث الدكتور سليمان عن تجربة دولة الإمارات في هذا المجال الحيوي الذي يشكل ركيزة هامة في إعادة تشكيل الدول واستمرارية خصوصيتها فتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الميدان تبرز من خلال هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث التي راحت تعمل على عدة مشاريع كبرى تهدف إلى توثيق وأرشفة وحفظ وإعادة إحياء هذا التراث ليكون واقعاً معاشاً عبر فعاليات ثقافية واجتماعية متعددة ومتنوعة تلائم وتناسب هذا النشاط أو ذاك, مثل أكاديمية الشعر والمسابقات الشعرية ومشروع كلمة ة ومهرجان ليوا والمزاين ومعارض الصيد والفروسية وسباقات الهجن وغيرها. تشارك في هذه النشاطات كل الجهات وتدعي إليها دولاً عدة لأبز قيمة هذا الفعل, وهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث مؤسسة كبيرة ومهمة ومظلة جامعة لأنشطة وفعاليات عديدة ودوائر متنوعة وذات ميزانية ضخمة تصرف على التراث.
ومن خلال المقارنة بين ما تفعله هيئة أبو ظبي وما يقوم به الأخرون يؤكد الدكتور سليمان أن الفرق ساشع وذلك لأسباب كثيرة كلنا يعرفها وخاصة الإمكانيات وزد على ذلك الرغبة والطموح. فتجربة الخليج بشكل عام والإمارات بشكل خاص تختلف عن غيرها, فالتراث يمثل هنا أهمية كبرى ويعتبر حامل كبير للدولة وهو ذراع مهم بل الذراع الأهم, ويتابع قائلاً يتم التعامل مع التراث على عدة مستويات فهو في بعض الدول المرتكز الأساسي الذي تبنى عليه إيديولوجية الدولة بل هو الذراع الأساسي للدولة الأمة, إنما في دول أخرى يأتي التراث في مراتب متأخرة من حيث الاهتمام لأن لهذه الدولة أو تلك حوامل إيديولوجية أخرى. والدول التي تجعل من التراث حاملاً لها تفعل ذلك نتيجة لظروف موضوعية و خاصة محيطة بهذه الدولة أو لظروف تبع من داخلها, فالتشبث بالتراث مسألة مهمة لتثبيت هذه الدولة أو تلك.
وعن مدى أهمية تراث منطقة ما وقيمته وأفضليته عن تراث وثقافة لمنطقة أو أمة مختلفة و مغايرة يؤكد الدكتور سليمان أنه لا يوجد تراث ضحل لدى أمة ما وتراث غني لدى أمة أخرى, فكلل الأمم لديها تراث غني وغني جداً ولا تتم المفاضلة على أن هذا التراث أغنى وذاك أقل غنىً, فمسألة التمييز غير موجودة في الدراسات الأنتروبولوجية والأمر هنا غير وارد على الإطلاق وغير مقبول.
الذي يُكْسبُ هذا التراث تلك الثقافة أهمية ويعطيها اهتماماً هو الإنسان الذي يغنيه. حول هذه الفكرة وخلف هذه المشاريع الكبرى توجد ههم عالية وخاصة في هذا المجال
يرى الدكتور سليمان نجم خلف: أن هذه المسألة خاضعة لظروف هذه الدولة أو تلك سواءً كانت ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وهذه قضية على مستوى العالم وليست فقط في دولة دون سواها, فعلى سبيل المثال في بعض دول العالم الثالث التي مرت بظروف خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان ينظر إلى الموروث التراثي التقليدي من أغاني شعبية ودبكات وشعر شعبي ولباس وشعبي والطعام المحلي وعادات أخرى على أنها من مخلفات مرحلة الإقطاع, وهي مظاهر رجعية بالية ترزح تحتها طموحات الأمة التي ترغب بالانتقال نحو التقدم والرقي. وفي هذا السياق لم يكن لدى هذه الدول اهتمام بهذا الموروث, ولكن هذه النظرة تغيرت بعد فترة من الزمن والتحولات ,إذ صارت القناعة لدى هذه الدول بإمكانية مواكبة التقدم العلمي والرقي الحضارة وهي تعتز بمفردات هذه الموروث التقليدي من لباس وعادات وأشياء أخرى, هذه البلاد تحررت من هذه النظرة القاصرة تجاه هذا الموروث , إذ لم تعد تنظر إليه من زاوية سياسية, ما الذي يمنع أن نكون بلداً متقدماً ونحن نرتدي اللباس التقليدي فالأمران لا يتعارضان. فالياباني يعتز بلبس الكومونو وهو يؤدي رقصات فلكورية ولا يعيقه ذلك من تحقيق إنجازات علمية كبيرة والذين يجسدون شخصيات شكسبير بملابس القرون الوسطى على مسارح لندن يفاخرون بلباس تلك الحقبة كما يفعل الفرنسيون الذين يتباهون بلباس البرجوازية في القرن السابع عشر وقس على ذلك.
وعن أهمية الاهتمام بالتراث المعنوي في عصر العولمة يقول الدكتور سليمان:
ضمن التوجهات التي نشهدها على مستوى العالم يتم العمل عل طبخ الثقافات الإنسانية المحلية في موقد العولمة الجبار العنيف وصهرها إذابتها و المحاولات التي تسعى للفتك بهذه الثقافات المحلية, نجد أهمية كبرى للحفاظ على هذا التنوع والتباين الثقافي في كل مكوناته, يحق لنا أن نستفيد من العولمة وانسيباتها وثقافة السوق الحرة ولكن يبقى هذا التنوع الثقافي مكسباً إنسانياً عاماً, فهذا يمثل التجربة الإنسانية على مدى أكثر من ثلاثين ألف عام, لذلك يجب أن يحتفى بهذا التراث وعلينا العمل على صونه, فمثلاً إذا كان لدينا 50 عنصر ثقافي لا يتوقف عملنا عند جمعها وأرشفتها ووضعها جامدة على رفوف المتحف, فالدبكات الشعبية التي كانت ذات ينبغي إعادة إحيائها من خلال ممارستنا لها في احتفالاتنا العرسية الآن ولا نتوقف عند تصنيفها على أنها عادة قديمة وحسب, وهذه هي رسالة اليونسكو التي ترى أنه من الواجب أن يبقى التراث حياً وممارساً بشكل يومي, وتعمل اليونسكو على جعله تراثاً معاشاً قولاً وفعلاً وليس مجرد أمراً يتعلق بالماضي والماضي فقط , لا تتوقف المسألة عند أننا كنا نلبس هكذا لباس وكنا نغني هكذا في احتفالاتنا بل يجب أن نفعل هذا الذي كنا نفعله سابقا, و علينا أن نعرف كيف نضيف إليه ما هو جديد ومناسب لروحه ولروح هذا العصر, وهذا الرؤية تشمل أنشطة اليونسكو على مستوى العالم. ومن باب الصدفة فلقد سمعت اليوم إحدى الأغاني الشعبية التي كانت تغنى في الأعراس الفراتية سابقاً بمصاحبة المزمار ( الزمّارة ) ويدبك على إيقاعها سمعتها اليوم بتسجيل جديد وآلات موسيقية حديثة كالأورغ والغيتار والإيقاع, فلقد تمت إضافة عناصر إبداعية جديدة طورتها بعض الشيء دون أن تفقدها جماليتها أو تنقص من قيمتها شيئاً.
تنوعت البيئات الجغرافية الثقافية التي عاشها وعايشها الدكتور سليمان فمن الريف السوري وريف الرقة بالتحديد إلى بريطانيا لمدة خمس سنوات في بيئة مختلفة تماماً بيئة تعتمد على التقليدية والنظرة المختلفة لطبقات المجتمع إلى لبنان وبيروت على وجه التحدي ومن ثم إلى الولايات المتحدة لمدة ست عشرة عاماً حيث التنوع العرقي والثقافي واللغوي والسويد والبحرين ودولة الأمارات العربية المتحدة. عن هذا الغنى في التجربة والخبرة يتحدث الدكتور بانسياب دون أن يكون أسيراً لحنين عاطفي ولا مكبلا بقيودنا نحن الذين أدمنا وجهاً واحدة للحياة.
عن هذا التنوع الذي عاشه الدكتور وهو ابن بيئة فراتية كانت ترى في العشيرة النظام الوحيد القادر على إبقائها والحفاظ عليها عن الصعوبات التي يقد نتوهم وجودها في ظل هذه البانوراما يقول : حين يتخطى الإنسان في مسيرته أكثر من ثقافة فرعية يصبح لديه تراكم من التجارب التي تصبح زوّادة له ينهل منها, فلقد غادرت قريتي كطالب علم ولكنني عملت في أمريكا وعملت في السويد وربما بسبب تخصصي في العاوم الإنسانية وبعد بلوغ الثلاثين من العمر صار لدي تراكم من التجارب , أعطاني هذا التراكم كم ذكرت سباقاً زوّادة من العتاد للتكيف إن جاز التعبير , ومن أهم مزايا الثقافة الغربية الحديثة هي القدرة على الامتصاص والتقبل وأيضاً احتفائها بالتنوع, ففي أمريكاً مثلاً هنالك خطوط ثقافية عامة ولكنك تجد كثيراً من الصينيين يعيشون كصينيين في بعض أوجه حياتهم و بثقافة فرعية وكذلك الذين يتحدرون من أصول أسبانية أو إيطالية أو عربية وحتى الزنوج لهم هذه الثقافة الفرعية الخاصة بهم والتي يعيشونها.
وعن حنينه لهذه البيئات وأي منها أقرب إليها يتحدث بشكل مختلف عما نألفه وعما نسمعه من الكثيرين فيقول: غادرت الرقة منذ 45 عاماً وتماماً في أواخر عام 1965 وكانت البداية في بريطانيا لأكثر من سنتين وبعدها قررت الذهاب إلى بيروت والجامعة الأمريكية فيها حيث استطعت أن أجد مدخلاً للثقافة العيش في أمريكا كون معظم مكونات هذا المكان أي الجامعة يعتمد على الثقافة الإمريكية, ومن ثم على أمريكا حيث نلت شهادة الدكتوراة من جامعة UCLA في لوس انجليس في كاليفورنيا حيث وكان ذلك في نهاية عام 1981, وكانت أمامي فرص كثيرة كي أبقى هنالك وأحصل على جنسية ولكنني أثرت الذهاب إلى الكويت لأعمل في مجال التدريس الجامعي لمدة تسع سنوات متتالية ولكن جاء احتلال العراق للكويت وجاءت الطامة الكبرى ومن باب الصدفة أنني كنت في تلك الفترة أنا والعائلة في إجازة في بريطانيا, ونتيجة لتداعيات ما حدث لم يعد بالإمكان العودة إلى الكويت, فذهبت استاذاً زائراً إلى جامعة استكهولم في السويد لمدة عام ومن ثم اتيحت لي فرصة العمل في جامعة الإمارات العربية في مدينة العين وهي مدينة جميلة جداً. وبعد ذلك تركت جامعة الإمارات وذهبت إلى الولايات المتحدة كأستاذ زائر أيضاً ولكن هذه المرة في جامعة هارفارد وجامعة في مدينة صغيرة تدعي كيمبرج قرب مدينة بوسطن وجامعة هارفرد جامعة مشهورة وتعتبر الجامعة الأولى على مستوى العالم, وكانت سنة جيدة مفيدة على المستوى العلمي والمادي, وفي كل تجربة تتوسع آفاقي المهنية والاجتماعية والثقافية لأن كل تجربة تولِّد في نفس الإنسان عضواً جديداً وأفقاً جديداً ورؤية جديدة نحو الأعلى وكل تجربة فيها أفق جديد وفيها تحدي, وعدت إلى الشارقة وعملت في جامعة الشارقة والشارقة تعتبر سبّاقة في مجال الاهتمام بالثقافة, وبقيت هنالك حتى عام 2006 ومن ثم انتقلت إلى جامعة البحرين لمدة سنة ونصف استفدت من خلالها معرفة جيدة بطبيعة البحرين وبالمجتمع كباحث وكمدرس وكإنسان. تركتُ البحرين وأتيحت لي الفرصة في العمل في هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث كخبير في مجال التراث المعنوي, وهذه هي المرة الأولى التي انتقل فيها من العمل الأكاديمي والتدريس إلى العمل الوظيفي في مؤسسة ثقافية ولكن عملها أكاديمي أيضاً, لذلك لم تكن هذه النقلة صعبة, وعوداً على مقولة الحنين لمكان أو بيئة محددة بذاتها دون غيرها, أقول أن كل هذا التنوع وهذا التراكم وهذه التجارب لها خصوصية, فكل تجربة تعمق شيئا في نفسك وتفتح آفاق جديدة, وكل تجربة متميزة تشدك إلى هذا المكان الذي كانت فيه هذه التجربة, أحن على الجامعة الأمريكية في لبنان حيث قضيت أكثر من تسع سنوات حيث تجربة تكويني الأولى, وأحب بريطانيا لأشياء أخرى, وأحب أمريكا جداً بسبب خصائص كثيرة جداً مهمة تمتاز بها, أحبها لدينميكية هذه الثقافة وعنفها الإبداعي وليس عنفها الذي نراه في الحروب هنا وهناك و بمعزل عن سياستها الخارجية وموقفها تجاه قضية الأم قضية فلسطين, تبقي أمريكا حلم للكثيرين. أنا سيلمان ذاك الشخص الذي تعدي الستين من العمر لديّ مواطن متنوعة تربطني بها خيوط عديدة غير قابلة للقطع ولا أريد أن أقطعها في يومٍ من الأيام, بل على العكس أريد أن أنمّي هذه الخيوط وأجعلها أكثر قوة. مفهوم الوطنية التقليدي الذي نتغني به يعني لك شيء ويعني لهذا شيء ولذاك شيء آخر, لقد وصلت لمرحلة وأقولها بصراحة أنه صار لدي إحساس أن العالم كله أضحى وطني, فإذا مكثت في مكان فترة أشهر أحس بتوثب يدفعني لمغادرة هذا المكان والانتقال إلى بلد آخر لي فيه ارتباط. أقول العالم كله صار موطني فأصدقائي وأساتذتي وطلابي يتوزعون في أنحاء العالم,فأهلي في الرقة وأمي في القرية وزوجتي من بريطانيا وأحد أبنائي يعمل في فرنسا. صار الأمر عندي كآبار القبيلة حيث يكون البئر يكون موطن القبيلة. وفرص الحياة وتجارب الإنسان مصحوبة دائما بقدر من التبصر والتفكر والتأمل فالعيش في عوالم مترابطة بسبب وسائل الاتصال الحديثة وسهولة الحركة بين الثقافات ونمط الحياة التي نعيشه اليوم جعلتني أخرج من تحدي مفهوم الهوية الضيق إلى مفهوم أعمل وأشمل لأنني كما قليت سابقاً لدي علاقات مع كل بقاع الأرض وارتباطات قوية هنا وهناك لا يمكن بترها أو إهمالها.
ويتخم الدكتور سليمان حديثه قائلاً وهو يبتسم: العودة للجذور مسألة تختلف من شخص لآخر. فالشخص الذي يخرج من بيئته المحلية الصغيرة وكون نفسه في اطر و تجارب مختلفة جداً , فتكوين هذه النفس يبقى متجذراً في هذه البيئة الصغيرة التي جاء منها ولكن تكوينه الأساسي أصبح خارجها, مصطفى في رواية موس الهجرة إلى الشمال للروائي الطيب الصالح مصطفى هذا الذي عاش في الغرب يعود إلى القرية فيجد فيه متعة الجذور وفي الوقت ذاته يعيش حالة اغتراب مرة وقاسية جداً تؤدي به إلى الانتحار في النهاية. بعضهم يحن دائماً إلى موطنه الأول (( كم منزلاً في الأرض يألفه الفتى —- وحنين أبداً لأول منزل), والحال في الموقفين صحيح. فالعودة إلى الجذور ليست بالضرورة عملية إحياء للنفس واحتفاء بالكشف النوراني الإلهي العظيم, بل قد تكون نوعاً من الملاذ والتقوقع وهذه وجهة نظري الخاصة بي.
#سفيربرس _حاوره: محمود الجدوع – أحمد رشاد



