غزو الكويت.. هزيمة عربية وانتصار للاستراتيجية الأمريكية . بقلم : د. عبير الحيّالي

#سفيربرس _لندن

تمر هذه الأيام ذكرى الغزو العراقي للكويت في أغسطس من عام 1990. حيث هاجمتنا نحن العرب سحابة غربية مليئة بالمياه الآسنة، أمطرت في منطقة الخليج وهبت ريحها من الأراضي العراقية باتجاه شقيقتها الكويتية. فانهارت المنظومة الأيديولوجية، كما نحر مفهوم الأمن القومي العربي، وانتشر الاضطراب والخلل في موازين القوى. وهكذا سقطت أول أوراق شجرتنا العربية، واستمرت في التساقط واحدة تلو الأخرى لمدة تسعة وعشرين عامآ إثر القرار الأحمق الذي اتخذه صدام حسين بغزو الكويت وضمه إالى العراق على أنه المحافظة العراقية التاسعة عشرة.

لطالما رسمت التيارات القومية العربية مجموعة من النظريات والفرضيات التي تتحدث عن قدسية علاقة العربي بأخيه العربي. فالعربي لايقاتل أخيه العربي تحت أي ظرف، ولايجوز الاستقواء بالأجنبي ضد الشقيق العربي، والأهم هو اتفاقهم على العدو المشترك وأقصد هنا اسرائيل. وتجلت هذه الفرضيات في الثمانينات من القرن الماضي أي في السنوات القليلة التي سبقت الغزو العراقي للكويت. فشهدت العلاقات العربية-العربية انتعاشة حقيقية وحلت فيها مجموعة من القضايا الشائكة، كانتهاء الحرب العراقية-الايرانية واتحاد شطري اليمن الشمالي والجنوبي بسلام، وانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وغيرها من القضايا الشائكة. وبكل الأحوال هذه النظريات لم تكن دقيقة، ولكنها لاقت ترحيبآ على المستوى الشعبي وخلقت نوعآ من الوحدة والتآلف بين الشعوب العربية.

أثبت قرار غزو الكويت للغرب وخصوصآ الولايات المتحدة أن ضرب الأمن القومي العربي من الداخل هي فكرة مثمرة وناجحة وأقل تكلفة اقتصادية من الدخول بحروب مباشرة لاحتلال الدول. فأخذت الادارة الأمريكية على عاتقها اختبار نجاح التجربه بتقديمها وثائق الى طارق عزيز تثبت أن الكويت نهبت نفط العراق مؤكدة على حق العراق باسترداد حقوقه وبأنه سيحصل على كامل الدعم لاسترداده. وفعلآ نجحت في خرق وتفتيت المنظومة العربية، وفي نفس الوقت تمكنت من تثبيت قواعدها العسكرية التي ازدادت وتوسعت مع مرور السنوات في الخليج العربي وخصوصآ في المملكة العربية السعودية، وهكذا تحولت منطقة الخليج الى نقطة انطلاق للولايات المتحدة إلى جميع الدول العربية.

 لم تنته المكاسب الأمريكية من الغزو بماسبق ذكره، فالحلم الأمريكي بتثبيت اسرائيل كقوة اقليمية وضمان أمنها وايجاد ميزان جديد للقوى في منطقة الشرق الأوسط كان حاضرآ في مخطط الغزو. ففي الوقت الذي كان قادة العالم العربي يعيشون الصدمة ويبحثون عن مخرج لهذه الكارثة، تم تسديد ضربة قوية للقضية الفلسطينية التي كانت مركز اهتمام العالم العربي وقتها على المستوى السياسي والشعبي، فشهدت تراجعآ قويآ بسبب فشل العمل العربي المشترك وعدم القدرة على قيادة الأزمة، واستغلت اسرئيل وحلفائها حالة الفوضى الهدامة فتمكنت اسرائيل من ايجاد مكانها كقوة اقليمية في المنطقة عن طريق تعبئة الفراغات التي خلفها الغزو والأحداث التي تلته.

أما المكسب الرابع لهذا الغزو فكان بعد تحرير الكويت، حيث حوصر العراق اقتصاديآ وسياسيآ وشدد الخناق عليه مما أدى الى انهياره، فتدمرت المنظومة التعليمية والصحية وعاش الشعب العراقي في ظل كارثة انسانية بسبب نقص الغذاء والدواء. بمعنى أن الولايات المتحدة لم تستهدف النظام فقط وانما استهدفت العراق بمقدراته وبشعبه وثقافته وأصالته.. وبعد إنهاك العراق وفي عام ٢٠٠٣ تمكنت أمريكا من احتلاله والسيطرة على موارده والتحكم بها. ومن ثم نقلت السلطة الى حكومة فاشلة قامت على أساس المحاصصة الطائفية، فنشرت الجهل والطائفية والجوع والجريمة. فقال محمد حسنين هيكل يشرح مأساة العراق بعد الاحتلال الأمريكي ” العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة من اللصوص، ليس لهم علاقة لابالسياسة ولا بحكم ولابإدارة دولة”. وهكذا استطاعت الولايات المتحدة أن تلغي القوة العراقية من الخريطة العربية، تمهيدآ لمراحل جديدة من الصراع في المنطقة ألا وهو الصراع الطائفي الذي وصل ذروته في العراق عام ٢٠٠٧، ومكن “داعش” من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية ومن ثم سوريا بعد أحداث مايسمى ب “الربيع العربي” الذي تمم بدوره المخطط الغربي للمنطقة، وفتح أبواب التدخل الخارجي على مصراعيه في الدول ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية في العالم العربي.

 تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة العربية وفقآ لرؤية استراتيجية اتضحت معالمها بعد الغزو العراقي للكويت، ولو دققنا في تسلسل الأحداث نجد أن مايسمى ب”الربيع العربي” كان المولود المنتظر لهذه الاستراتيجية. فاستطاعت أن تخلق بيئة سياسية غير مستقرة، وتمكنت من نشر الفكر التطرفي الذي نشر سمومه في المنطقة وتمكن من تقسيمها وتفتيتها.

لقد أنجزت حرب الخليج الأولى الأهداف الأمريكية بسهولة بالغة، وكأن ما نراه هو عقد فرطت أولى حباته في غزو العراق للكويت في عام ١٩٩٠، واستمرت باقي الحبات بالتساقط إلى تاريخنا هذا. كشفت هذه المراحل الطويلة عن هشاشة النظام العربي برمته، وعدم قدرة قادته على تجاوز الأزمات عن طريق توحيد الصفوف التي تحد بدورها من خطورة التدخل الأجنبي في المنطقة. كما أنهم فشلوا في صياغة أطر جديدة لانقاذ العمل العربي المشترك وتوثيق العلاقات العربية- العربية، فكانت الخلافات هي سيدة الموقف للسنوات التسعة والعشرين الماضية.

#سفيربرس. بقلم : د. عبير الحيّالي  _ رأي اليوم

باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

لندن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *