سهرة مع الماضي .. ـ بقلم:  عبــــير مــــنون

#سفيربرس

في زيارتي الأولى لمنزل أبي يوسف ، شعرت بالراحة وأنا أرى ابتسامات أهل المنزل وخاصة أم يوسف وابنتيها مرتسمة على وجوههن الجميلة وهما طالبتان جامعيتان مهذبتان أعرفهما من نعومة أظافرهما ولكن لم يكن هناك زيارات بيننا رغم أنهم جيراننا .
وعندما جلست وتبادلنا الأسئلة عن أحوال بعضنا ، وكانت الدراسة هي أحد محاور حديثنا، ابتسم أبو يوسف قائلا وهو يرد خصلة شعره البيضاء المتبقية للوراء : لقد تذكرت الأيام التي يدأتُ فيها بالتدريس ، عندما تم تعييني في إحدى القرى في الرقة بعد أن تخرجت من معهد اعداد المدرسين وكان علي أن أعمل مدرسا في الريف لمدة سنتين ثم أنتقل إلى مدينتي حمص
فسألته وكيف كان التدريس هناك ؟
قال لنا : حملت الأمر الإداري المكلف به إلى مدينة الرقة وكنت أول مرة أزورها ، وسألت عن موقع القرية التي تم تعييني فيها فدلني عليها أحدهم ، وتوجهت بواسطة أحد البوسطات الخاصة بنقل الركاب إلى القرية المزعومة وعندما وصلت وجدت نفسي أمام سبخة وهي بحيرة مائية صغيرة تتغذى من نهر الفرات ،وأنا أحمل أمتعتي وأغراضي لا أعرف كيف سأنتقل للضفة الثانية من هذه السبخة فقال لي أحدهم : هل أنت المعلم الجديد ؟ فقلت : نعم أنا هو ولكن لاأعرف كيف سأنتقل للجهة الأخرى من السبخة فقال: انتظر قليلا وسيراك أحدهم ثم ينقلك .
وفعلا وبعد عدة دقائق رأيت أحدهم يركب مايشبه الحلة المعدنية الكبيرة التي يتم فيها سلق الحنطة بكميات كبيرة بعد الحصاد ، يجذف بقضيب خشبي وكأنها مركب حتى وصل لعندي وسألني : هل أنت المعلم الجديد ؟ فقلت : نعم أنا هو فقال لي : اركب معي فمختار القرية بانتظارك.
لم أجادل كثيرا وركبت معه وحقيبة سفري، رغم استغرابي الطريقة وعدم وجود قارب خاص لاجتياز السبخة، عندها تراكمت في مخيلتي الكثير من الأسئلة ، فالرقة مدينة سورية كما هي مدينة حمص ولكن لاوجود عامل مشترك بين المدينتين سوى الأرض واللغة
حاولت أن أساعد الرجل بالتجذيف لكنه قال لي باللغة البدوية : لا ، لاتستطيع مساعدتي فحركتك قد تؤدي لعدم التوازن وسقوطنا في الماء أرجو أن تبقى هادئاً
وصلنا بعد عشر دقائق لأرى جمهرة من الرجال يرتدون الجلابيات والعقال ينتظرونني وشعرت بسعادة عارمة وهم يستقبلوني بفرح يشبه استقبال الملوك فسلمت على المختار وعلى من معه وطلب مني المختار أن أذهب معه إلى بيته فقلت بخجل : لاداعي لأن أحرجكم سأجد منزلا لي أستأجره في المنطقة فقال لي المختار : لا داعي لأن تستأجر بيت فعندي بيت خاص للضيوف تفضل
غمروني بكرمهم ولطفهم فكانوا يتسابقون بتقديم الطعام لي والعمل على خدمتي وتوفير الراحة وكنت أشعر بخجل شديد منهم
قال لي المختار : هذه هي قريتنا وهؤلاء هم أولادنا الذين سيتعلمون منك القراءة والكتابة والعلوم ونحن سعداء لوصولك قريتنا
بدأت عملي وكنت أستيقظ باكرا وأرى الطلاب تتسابق أمامي للمدرسة ..كم كانوا سعداء بي ولكنني لم أكن مرتاحا كثيرا فقد كان رجال القرية يتجمعون يوميا في السهرة عندي في المكان الذي خصصوه لي، فكانوا وعلى حسب لغتهم (يتعللون ) عندي يوميا وهذه إحدى عاداتهم وكنت أشعر بتعب شديد في ذلك الوقت لأنني كنت أتعب في مهنتي وكان يجب أن أستيقظ باكرا في كل يوم حتى ألتحق بالمدرسة
فقلت للمختار : في الحقيقة أنا لست مرتاحا وأريد تقديم طلب للتربية حتى يتم تعييني في أي قرية تابعة لمدينتي في حمص فابتسم المختار ابتسامة ثقة وقال : لاتستطيع فقبل أن تصل لمدينتك أنا أكلم مديرية التربية حتى لايقبلوا بطلبك …
فانزعجت كثيرا وابتسم قائلا : قل لي ماسبب عدم ارتياحك هنا ؟ نحن سعيدون بك فأولادنا بدأوا بتعلمون القراءة والكتابة والكثير من العلوم والحساب لهذا نحن متمسكون بك قل لي ماسبب عدم ارتياحك
قلت له : السبب هواختلاف عاداتكم عن عاداتنا و السبب الرئيسي هو تجمع الرجال عندي ليلا للتسامر وأنا حقيقة أريد أن أرتاح وأقرأ بعض الكتب ولا أستطيع أخذ حريتي في هذه الأجواء
قال لي : لاعليك اترك الموضوع لي فقط أريد منك إن طلبوا منك الدخول لبيوتهم اعتذر قائلا : شكرا لكم فعندي دراسة ، واجلس خارج غرفتك بضعا من الوقت على أنك تدرس وافتح كتبك الخاصة حتى يبتعدوا رويدا رويدا من دون أن ينزعجوا فهم يحبونك ! وان رحلت ستجعل الناس تتكلم علينا وتقول أننا لم نكرمك وقصرنا معك وهذه فضيحة بالنسبة لنا نحن أهل الرقة
ابتسمت له وقلت : والله كنتم أصحاب نخوة وكرامة وشهامة وأنا أحبكم كثيرا ولم أشعر بغربة بينكم ولكني سأترك هذا الموضوع عليك حتى لا أُحرج منهم ولايحرجون مني
سكت أبو يوسف وهو يتنهد : ذكريات جميلة ..لم أعرف في حياتي أكرم من أهل الرقة ولن أنسى رائحة الخبز الساخن التي كانت تتسلل لأنفي وأنا أتجه للمدرسة ثم يتسابقون لإعطائي البعض منه وأنا متجه للمدرسة
وصلت أم يوسف وهي تحمل فناجين القهوة قائلة : أهلا بكم جيراننا الأعزاء

#سفيربرس ـ بقلم:  عبير منون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *