هل كنتُ أبحثُ عن ذاتٍ.. أرهقها سفرٌ..ندوة نقدية لديوان: “أسمّي جرحي شجرة”

#سفيربرس _ ماجدة البدر

تظهر جمالية القصيدة ، حين تتناولها يدٌ بارعة ، تعيد النظر فيها، حتى تضيءَ حروفها، ومعانيها. ومضات ناقد متمكن، متمرس، يستطيع يستنبط أهم المعاني التي أرادها الشاعر من صياغته لهذه القصائد..
أقام فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب في مقره الكائن بدمشق، وبحضور هيئة الفرع، د.إبراهيم زعرور، أمين السر، د.إبراهيم سعيد، أمين الصندوق، أ.الأرقم الزعبي، عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب العرب.
ندوة نقدية لديوان: (أسمّي جرحي شجرة)، شارك فيها: (د.نزار بني المرجة، أ.أحمد علي هلال). قدم الندوه الاعلامي علي الدندح
*أحمد علي هلال وأسمّي جرحي شجرة..
كمْ للجرح من اسم، تتعدّد الأسماء والصفات والنعوت، ثمّة اسم دال يشي بمقصدية العنوان: شجرة، ليحيلنا الشاعر طلال الغوار هنا إلى ما يعني كلية الاسم أو الأسماء بعلامةٍ لغويةٍ باهرة: شجرة،لتفتح الدلالة على الجرح، الجرحُ شجرة، وليُصبحَ التركيب في الدلالة المفتوحة على رمزية المجاز، والاسم ومقصدية النصْ، وتناسل مكوناته وعلاقاته في فضاءات النصوص، متناً للعنوان وتعضيداً له، بمعنى كيف ستكون النصوص سيرورة، في سياق تخصيبها وتكثيفها، وبالمعنى التقني، ولتصبح في إطار العنوان – النصوص – كائناتٍ متعددة وجوهٌ لجرح واحد هو الشجرة..
هذا المساق الجمالي الذي يتلامحُ فيه المكوّن الدلالي العميق، يُسبغ على الشجرة خصائص إنسانية، لن تختزل في تتبّع الدال والمدلول بالمقتضى البلاغي وإنَّما ستتعدّى ذلك إلى جدلية الذات والآخر، لتؤلفَ النصوص فضاءها الثقافي، ودلالة إبداعها الذي يبوحُ بأسراره الجمالية هي إذن إحالة إلى مغامرة النصوص داخلها، داخل مكوناتها النصيّة التخييلية، من أجل الوصول إلى تكافؤها البنيوي إيقاعياً، بدلالة إضافية هي الصورة الشعرية في مستويات تماثلها واختلافها وصيغها الإيقاعية المختلفة، ولتكون النصوص انتظاماً لما يمكن تسميته بالتكوين الدلالي لها، وأسلوبيتها في الأبعاد الجمالية والبلاغية وتنويعاتها الإيقاعية، أي ببنياتها الفنيّة وشرائطها اللغوية، وتنوعُ أغراضها، فالشجرة هي المقابل الدلالي للجرح، وفي هذا التقابل تنفتح فضاءات النصوص وفعالياتها التخييلية لإنجاز هويتها، والهوية هنا ليست خطاباً ناجزاً، بقدر ما هي ممكناتٍ جمالية للقصائد، والنصوص، ستمثّل أحداثَ شواغله، التي ستعني حَيّز التجربة الشعرية المديدة بعلاماتها وعناوينها: ( )، وبالمقابل تعضيداً لهوية الشعر والشاعر وماهيةُ القصيدةِ في تشكيلها بحساسية حداثتها وتقطيرها لوعي شعري سمتهُ الوضوح والبلاغة الداخلية، بعيداً عن غواية الشكل فحسب أو التنميقُ، المبالغ فيه، ليكونَ الشعرُ هنا دالة تلك الصيرورات الإنسانية، وفي الانحياز للجوهر صوتاً وإيقاعاً، ونظاماً من الكلمات، وديناميتها التي تجعل من الشجرة جرحاً مفتوحاً يعني بلاداً على اتساعها، وذواتاً على عمقها، وفي كثافتها، (كحدائق ممكنة)، أوغابات ممكنة، تُمكنّنا من ارتيادها والتنزّه فيها، ثمّة نزهات معرفية، ستغنى بقصد النص، حينما يكون وعي مبدعه، أو انخطافة روحه لتشكيل برزخٍ من الضوء والظلّ، يحيلنا إلى وطن الكلمات، وأصالةُ الهواجس الشعرية المؤسسة على مغامرة القصيدة من داخلها، فكيفَ تنمو القصيدة داخلها تماماً كجرحٍ لغة وأماكنَ، وحيوات وغواياتٍ، وتُصبح الكلمات أشجارً تتكاثفُ في أرض اللغة، لتشي بوعيها الجمالي الممكنْ، والجماليةُ هنا ليستَ محضُ تورياتٍ، وهندسة إيقاعية، وأخيلةٍ شفيفةٍ، ومجازتٍ عابرةٍ لمجازاتها، إنها كلية الانتظام الدلالي: بمفتتحٍ باهرٍ: أيتها القصيدة/ كم سافرتُ فيك طويلاً/ لكنّي لم أجد / من الطرقات ما يكفي..
هل نقول، بهاجسِ الغواية/ الشعر، وتصاديه في الأسئلة الوجودية التي تذهب إلى شرط تأملي خالص، مشوبٌ بانخطافات الوجد والوجدان، لعل سمته في القول الشعري الكثافة بجمالية كما يُظهرها نص (أسمّي جرحي شجرة)، والناهض بتلك الشواغل وعلى غير مستوى، لكنه الأكثر احتفاءً بدال العنوان (من أسمي جرحي شجرة)، وهو يأخذ عنوان المجموعة وعمقه الجدلي: (أمر/على حديقتي المنزلية/فأرني/أخرجُ من شجرة/ ثم أمضي باخضراري بعيداً).
هنا ثمّة تخصيب للقول الشعري وانفتاح له على مديات تجهر بوحدته الداخلية، وبنيتها المتماسكة، وعلى مستوى التجانس الإيقاعي أيضاً في صيغ الشجرة التي تأخذه إلى النهر ينفتح جراحه في الناي، فتأخذه طرق كأنه لا يعرفها، وليحاورَ في صنعاء القول: المتبنى الذي يخرج من تمثاله، ثمّة ما يمكنني تسميته بالغيبوبات الواعية، وشعريتها، فيما يأخذه أفعال التشجير/ التخصيب، في مناخ أسطوري، ملحمي الذات، إذ يتنفس قصيدة ليذهب بعيداً في عتمة نفسه، ويصعّد (ظمأ) لا شجر نحو ضوئك يمشي فأتبعه ويورق بين الأصابع حلم الوصول، هو هنا روح هائمة منذ ألف قصيدة، لنلاحظ نصه بنات الناي والإحالة على الأحلام وارتكابها والوشاية في القلوب، ومن الجرح تخرج مفتونه دهشتها في براري المعاني / تمر أفقاً فنحن بالأغاني من الخاص إلى العام، جدلية خفاء وتجلّ، واستعارات تتبدّى أسلوبيتها في التجانس الإيقاعي، الذي يعني دينامية النص انطلاقاً من العنوان، بوصفهِ محوراً يتوالد ويتنامى ليعيد إنتاج نفسه محدداً هوية القصيدة، وبما تجهدُ به من قرائن لغوية تشي به لعلّ (إيماءات) على سبيل المثال، ستمثل شعرية الكثافات الجمالية وهي الأقرب إلى التوقيعات أو النثيرات، بوميضها المتصل والمنفصل وبشريطها اللغوي المقتصدْ، احرازاً لاستراتيجية الصور وتكنيكها طابعها التجريب، متطيّرة من قلق استقرارها الإجناسي، لتفتح خط أفقها خارج طغيان الشعر اليومي،: (الزهرة تُصغي إلى مفاتنها/ وهي تتفتح/ وبين كف الصباح)..
إذ يُسبغ الشاعر على الزهرة سمات إنسانية، فمضمر الزهرة إنساني لكنه يستدل عليه بمكونات هذه الوميض الاستعاري، وكثافته الإيحائية الجمالية استراتيجية حذف وإضمار واستبدال، وصولاً إلى شعرية التناص (أفق ضيق… ولحلمي ترانيمه الواسعة)، كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، وبطبيعة تتفاوت الإيماءات سعة تخييلية وكثافة، لتذهب إلى تأمّلها الخاص العميق في إنتاج الدلالة، (حينما لم يعد لكلماتك حنجرة فمن سيصغي إليك..)
وبعد؛.. دائماً وأبداً، يتساءل الدرس النقدي عن الإضافة التي يتوسلها الشاعر، وهو يخلق حوافزَ نصه، ويُولمُ لدهشة بكرْ، من لغةٍ محايثة للقلب، لكنها لا تطمئن لما أنجزته، بل تضعه في سياق من الأسئلة الشعرية المشبعة بهواجسها، والناجزة في قبضها على ممكناتها، ذلك سعي الشاعر طلال الغوار، ليضيف لصوته أبعاداً لا تتخفّف من اجتراح الخصوصية، والسعي لصفاء الصوت الشعري في حوارياته ونزوعه لأسطورته الخاصة..
أجل، يضيف الشاعر إلى نصه، ويضيفُ نصه لمنجزه وآية ذلك في اكتمال أو لا اكتمال التجربة والوعي الشعري ومعاندة النقص الضروري الذي يتوسّل كمالاً ناجزاً، كتابة تنتسب إلى نص الحياة، بفعالياتها وتخييلها، وتلوين صوتها، بثيمة العشق وانفتاح مجازاته المرسلة..
***
جماليات (أسمّي جرحي شجرة) ود.نزار بني المرجة
يتحدث د.نزار بني المرجة عن جماليات الديوان قائلاً: يستكمل الشاعر طلال الغوار منجزاً شعرياً لافتاً، ومسيرة تجربة شعرية متميزة، كانت محط اهتمام النقاد والأكاديميين والمتابعين للمشهد الشعري العربي عموماً والعراقي على وجه الخصوص.. يرفد شاعرنا مدرسته ومكتبته الشعرية التي لها ملامحها وبصمتها وهويتها الخاصة، بعشرات النصوص التي يشبه كل واحد منها لوحة متكاملة ثلاثية الأبعاد، تتبدى فيها الطبيعة الصامتة كبعدٍ أول يتماهى معه الشاعر ورؤاه كبعدٍ ثانٍ هو الذات الشاعرة، مع عمقٍ مسموع يغلف توليفة القصيدة كبعدٍ ثالثٍ وهو الإيقاع في لوحته / القصيدة الناطقة… ومن يتابع مسيرة الشاعر طلال الغوار يلاحظ دون عناء أنَّ ثمّة مساحات كافية للرؤية، لنلحظ تماهياً فريداً مع مفردات الطبيعة المتحركة والطبيعة الصامتة في آنٍ معاً، حيث ينجح الشاعر دائماً بتحريكها وتوظيفها على شكل كائناتٍ يتولاها الشعر لتدب فيها الحياة، في أشكالٍ غير معروفة أو مألوفة..
والنماذج التطبيقية التي تؤكد هذه الحقيقة متوفرة في كل نص من هذه المجموعة الجديدة، وفي لحظات تأملٍ لواقعٍ يحمل الكثير من الألم والخيبات وانكسارات الأحلام، يبرع شاعرنا دائماً برسم لوحاتٍ مستمدة من الأشجار، حيث تمثل الشجرة رمزاً للحياة وتتمتع بخصوصية بالغة في عالمه الشعري، لدرجة أنها سكنت عنوان المجموعة (أسمي جرحي شجرة) وكأن الذات الشاعرة المجروحة تجد خلاصها في التحول إلى شجرة ضاربة الجذور وتعد دائماً بالكثير من الأغصان، والزهر والثمر، حتى وهي تواجه الموت… يقول الشاعر: (أنا من اقتطعت من الغابة/ غصناً/ وأشعلت فيه اللهب/ فمن أين لي/ كل هذا الدخان؟ / ومن أين لي/ كل هذا الحطب..؟)..
وكأنَّه عبر سؤاله الذي يرتدي ثوب القصيدة، يشير إلى ما فعله ويفعله المحتلون الغرباء الذين أشعلوا الحرائق في بساتين العراق الجميلة وتركوا للعراقيين الطيبين الحطب والنار والدخان…
وفي لوحة تجسد حضور النهر وهو الرمز الآخر الأكثر حضوراً إلى جانب الشجرة في معجم الشاعر؛ يقول: (أرقب أحلامي، تأخذ شكل الموجات، وتمضي بالنهر بعيداً، وأنا أتبعها حتى طرف الروح)…
وهنا نلاحظ كيف أن أحلام الشاعر هي التي تمضي بالنهر وتحركه، وليس النقيض الذي هو الواقع! وأما آلام الشاعر لرحيل الأحبة فتجسدها قصيدته (الغياب) حيث يقول: (أحبابي وأصحابي، بعد أن اختطفتهم أجنحة الغياب/ وراحوا.. تركوني.. أحمل مقبرةً في صدري!..)..
تلك كانت جولة انطباعات ووقفات تأمّل لصفحات جديدة جميلة في مدوّنة شاعرنا الكبير طلال الغوّار، والتي يسمّي فيها جرحه شجرة تنزف نسغاً أخضر يحاكي الدم الذي يمنحنا دفقات الحياة… ليواصل فيها الشاعر رحلة أناشيده، معلناً بوضوح ومنذ أول صفحة فيها أن هاجسه دائماً المزيد من الطرقات.. ليحلق بنا في فضاءات قصائده القادمة..
وفي نهاية الفعالية قام بالمداخلة: الشاعرة هيلانة عطا الله، رئيسة جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب.
وفي نهاية الفعالية، تم توقيع كتاب الشاعر العراقي طلال الغوار.

#سفيربرس _ ماجدة البدر

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *