إعلان
إعلان

غوطة دمشق بعد التحرير: بين ركام الحرب وطموحات التنمية.. بقلم : نورهان كردي

#سفيربرس

إعلان

كانت غوطة دمشق منذ القدم سياج دمشق الأخضر، وسلتها الغذائية، ودرعها الأمني. موقعها الجغرافي، الذي يطوّق دمشق من الشرق والجنوب الشرقي، جعلها ذات أهمية عسكرية قصوى خلال فترة الثورة، حيث عمل النظام البائد بشتى الوسائل على إخماد ثورتها، وإخضاعها لتأمين العاصمة دمشق مما جعل الغوطة الشرقية أولى ضحايا الحصار والتدمير وأكثر المناطق انتظاراً لعملية التنمية المتأخرة.

كيف خرجت الغوطة الشرقية من الحرب وإلى أين..
شهدت الغوطة الشرقية مظاهرات سلمية منذ الأيام الأولى للثورة في عام 2011، ثم حوصرت لسنوات، وشكلت رمزاً للثورة السورية. فمن ضمن 217 مرة استخدم فيها النظام البائد السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري تلقت غوطة دمشق العدد الأكبر منها وسقط فيها العدد الأكبر من الضحايا حيث تقدر حصيلة ضحايا مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية ما بين 281 إلى 1729 شهيد بينهم نساء وأطفال بالإضافة إلى آلاف الإصابات بغاز السارين.
أكثر من 18 ألف شهيد، مئات الآلاف من المهجّرين، أحياء دُمّرت بالكامل، وأجيال نشأت تحت القصف والجوع. ولم تترك سنوات سيطرة النظام على الغوطة الشرقية منذ عام 2018 سوى بنية تحتية مدمرة وهياكل أبنية كانت يوماً ما تعج بالحياة.
الغوطة الشرقية هي ثاني أكبر المناطق التي تم تدميرها في سورية بعد حلب بنسبة دمار 25% مع 35 ألف منزل مدمر ولاسيما أحياء جوبر المدمر بشكل شبه كامل، وعين ترما وزملكا وحرستا بنسبة دمار كبيرة جداً، شبكات المياه والكهرباء توقفت عن العمل، والأراضي الزراعية إما صودرت من قبل النظام أو تُركت من دون دعم. هذا الخراب لم يكن فقط بفعل القصف، بل نتيجة سياسات ممنهجة قامت على العقاب الجماعي، والمصادرة، والتهميش الإداري، فالواقع التنموي في الغوطة الشرقية متردي والخسائر في القطاع الزراعي والصناعي والبشري كبيرة جداً.
سقبا عاصمة المفروشات
مدينة سقبا هي أحد مدن الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق، تقع على بُعد نحو 7 كم جنوب شرق العاصمة دمشق. تُعد من أبرز بلدات الغوطة ذات الكثافة السكانية، وتشتهر تاريخياً بالزراعة والحرف اليدوية، خصوصاً النجارة وصناعة الأثاث (الموبيليا). لعبت دوراً بارزاً في الحراك السلمي والثوري منذ عام 2011، وتعرضت خلال سنوات الحصار لدمار واسع وقصف مكثف، ما أدى إلى تهجير جزء كبير من سكانها وتدمير معظم بناها التحتية.
بعد سقوط النظام، لم تُفعّل بعد مشاريع تنموية كبرى، ولم يبدأ استثمار الأهمية الجغرافية للمنطقة كنقطة انطلاق للإعمار وكما كانت الغوطة الشرقية محطة انطلاق لبدايات الثورة، يجب أن تكون أيضاً نقطة البداية في العدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة.
هذا ما أكد عليه السيد فادي هارون محامي من مدينة سقبا، وعمل كمستشار قانوني في مؤسسات المجتمع المدني في الشمال السوري حيث عبر عن تدهور الخدمات في الغوطة الشرقية بشكل كبير وعدم وجود أي أثر للتنمية فيها خلال فترة سيطرة النظام عليها فقال: “عندما عدت من إدلب وجدت الغوطة كئيبة بلا روح، بلا حياة وهذا شيء مؤسف فالدمار والأبنية المهدمة ما زالت موجودة، الطرقات، الصرف الصحي، القمامة كان الوضع سيء، بعد التحرير التغيرات ما تزال طفيفة لكن العامل المميز هو العامل النفسي فالناس الآن لديهم أمل ويرغبون بالعمل بينما كانوا في السابق لا يفكرون إلا بالهجرة”.
إهمال وتهميش منظم عانت منه الغوطة الشرقية خلال حكم النظام البائد
صرح السيد فادي بأن الغوطة الشرقية تعرضت إلى إهمال متعمد خلال سنوات حكم النظام البائد حيث قال: “إن الغوطة الشرقية هي جزء من ريف دمشق الذي كان مهملاً أيام النظام وعانى من حصار طويل ومدمر، فقد اعتمد النظام سياسة ممنهجة تجاه ريف دمشق قبل الثورة وخلالها ولذلك ثارت غالبية مناطق الريف ضد النظام، فلم يكن الريف يعني شيئاً بالنسبة للنظام وكان تركيزه على المناطق التي تقدم له المردود المادي الأعلى كمدينتي دمشق وحلب أما الريف كان مهملاً لأنه كان بحاجة للمال والدعم أكثر مما يمكنه أن يقدم، بالإضافة إلى أن النظام لم يكن ليستفيد من رجال الغوطة الشرقية وشبابها من الناحية العسكرية”.
مسؤولية التنمية العادلة في سورية
وفي سؤاله عن مسؤولية التنمية العادلة في سورية اليوم وضح السيد فادي بأن: “المسؤول عن التنمية العادلة في سورية اليوم هو أولاً: الوضع القانوني الذي لا يحقق التنمية، فيجب تحديث القوانين حيث يعود البعض منها إلى زمن الحكم العثماني.
ثانياً: ضمان التمثيل العادل سواء في الإدارات العليا أو في الوزارات أو في مجلس الشعب حيث يستطيع السوريون التعبير عن احتياجاتهم. ثالثاً: عملية المحاسبة للإدارات والوزارات فهي المسؤولة عن عملية التنمية وفي حال لم تطبق عملية المحاسبة القانونية فلن يتم تحقيق أهداف الثورة. رابعاً: المهمة الأكبر المطلوبة من المجتمع هي رفع الصوت بالحقوق ومتابعة المسؤولين”.
العدالة الانتقالية هي الخطوة الأولى في عملية التنمية
وكإجابة عن سؤال هل مسألة العدالة الانتقالية مهمة للانطلاق في عملية التنمية أجاب السيد فادي: “إن العدالة الانتقالية هي العملية الأساسية للانتقال للوضع المستقر للدولة ثم تأتي الخطوة الأولى للتنمية وهي معرفة خصوصية كل منطقة، معرفة مواردها، بماذا يعمل أهلها، خبراتهم واحتياجاتهم وتابع: مثلاً منطقة سقبا هي منطقة صناعية بامتياز ضمن منطقة الغوطة الزراعية، وكون مدينة سقبا منطقة صناعية فاحتياجها الأول هو الكهرباء وحينما يتم توفير الكهرباء يمكن تشغيل الأيدي العاملة وتحقيق الإنتاجية التي ستعود على الدولة في التنمية. وهذه الخطوة هي مسؤولية الوزارات والإدارات التابعة لها. أما نقل الاحتياج فهو مسؤولية أصغر وحدة إدارية” واقترح السيد فادي تأسيس مكتب لإعداد الأبحاث والمشاريع ضمن الوحدات الإدارية الصغيرة يقوم بدراسة المشاريع وإعدادها ورفعها للوزارات. وتابع السيد هارون قائلاً: “كما أن عملية التنمية هي أيضاً مسؤولية البرلمان من خلال الممثلين عن المنطقة والذين عليهم نقل مشاكل مناطقهم وعلى الشعب أن يحمل جزءاً من المسؤولية فمن كان لديهم ممثل نشيط قدم الأفضل لمنطقته”.
أما عن التحديات التي تواجه العملية التنموية في الغوطة الشرقية قال: “إنه حجم الدمار الكبير وعدم توافر الدعم المادي وشح الأيدي العاملة والخبرات التي يمكن أن تساعد في العملية التنموية”.
نشاطات المجلس المحلي في مدينة سقبا بعد التحرير
وللحديث عن مسألة إدارة شؤون المدينة صرح السيد زياد إبراهيم طاطين رئيس بلدية سقبا أنه عندما تم تسليمه مهام رئاسة البلدية كان عمله صعباً بسبب الموارد المحدودة، سواء من الناحية المالية أو البشرية، إلا أن العمل كان يعتمد بشكل رئيسي على الشفافية والمشاركة المجتمعية حيث قال: “كان يوجد أكوام من العمل، والإمكانيات كانت معدومة كان علينا أن نصنع شيء من لا شيء”.
وعن إنجازات مجلس بلدية سقبا بعد التحرير ذكر السيد زياد: “شكلنا فريق عمل لكنه لم يكتمل بعد، وأوصيناه بآلية العمل الجديدة القائمة على محاسبة المخطئ والشفافية في العمل. واستطعنا رأب الصدع بين القاطن في المدينة والوافد من الشمال السوري وعاد التعايش بينهم وعاد المواطن يشعر بالانتماء ويرغب بالعمل، والناس يقبلون على التبرع لصندوق الدعم بنفس طيبة مما ولد نتائج فعلية على الأرض.
استطعنا هيكلة الجمعية الفلاحية وجمع 600 حرفي موبيليا وأصحاب صالة وبناء غرفة تجمعهم من أجل تطوير الحرفة واستعادة ألقها في مدينة سقبا.
تم تأهيل 7 آليات لجمع القمامة في 100 يوم بينما لم يترك لنا النظام سوى واحدة وهناك عدة مشاريع هي قيد الإنجاز أحدها تعبيد الطرقات وقريباً سيترجم على الأرض ومشروع الصرف الصحي وإنارة الطرقات يتم إنجازه بشكل تدريجي.
وأضاف السيد طاطين عن نشاطات المجلس المحلي في مدينة سقبا: “اليوم بجهد شخصي أتواصل مع الخدمات أو الدفاع المدني لتزويدنا بآليات لترحيل الأتربة من البلدة القديمة حيث يوجد أبنية قديمة متهالكة ونتيجة القصف تحولت إلى ردم فهي تعيق الطرقات وآيلة للسقوط وهذا ما يشكل خطراً على حياة المارة وقد استطعنا إنجاز 60% من ورقيات المشروع ولم يتم الإنجاز على الأرض بعد”.
التحديات التي تواجه العملية التنموية
وعن العقبات التي تواجه العملية التنموية في مدينة سقبا قال: “إن غياب الكفاءات و عدم توافر الموارد البشرية والمالية هي أهم العقبات بالإضافة إلى البيروقراطية وقال: يجب أن يكون رئيس البلدية هو آمر الصرف في كل شيء حتى لا يتم التأخير في عمليات الصرف التي تحتاج إلى فترات طويلة الآن لكي يتم تنفيذها”.
وفي حديثه عن عدم توافر الموارد المالية قال: “في الحقيقة أكثر من 90% من الدعم هو أهلي، لا يوجد ميزانية منتظمة من قبل الحكومة حيث لا يوجد إيرادات والإمكانيات ضعيفة ونحن متفهمون صعوبة المرحلة القلقة بين الماضي والحاضر مع ذلك لمسنا تطور ملحوظ بالعلاقات السياسية العالمية واندماج سورية مع العالم ورفع العقوبات فشعرنا بأن الأمل قادم لكنه يحتاج إلى عمليات إجرائية.
عودة الخبرات واليد العاملة حجر الأساس في عملية التنمية
أكد السيد طاطين على أننا بحاجة إنسان يتبنى الفكرة ويدافع عنها فالموارد البشرية وعودة الكفاءات مهمة جداً وقال: “أرى بأن الموارد البشرية أهم من الموارد المادية لأن البلدان تبنى بسواعد أهلها، لذلك يجب أن تتوافر الطاقة والنظافة والبنى التحتية لعودة اليد العاملة والكفاءات التي ستزرع الغوطة وتبني المصانع من جديد”.
أهمية انطلاق عملية التنمية في الغوطة الشرقية
إن تنمية الغوطة الشرقية تؤدي إلى تخفيف الضغط السكاني عن العاصمة دمشق وتقليل الاكتظاظ فيها كامتداد سكاني للعاصمة، كما أن استعادة دورها الزراعي يوفر الأمن الغذائي للعاصمة ويقلل الاعتماد على الاستيراد من الخارج أو من المحافظات البعيدة ويوفر آلاف فرص عمل.
استعادة الغوطة الشرقية لدورها الاقتصادي يجعل منها رئة صناعية واقتصادية للمنطقة الوسطى فبعض مناطق الغوطة كانت قبل الحرب تضم ورشات ومصانع حرفية صغيرة، كما أنها عقدة مواصلات وبوابة دمشق باتجاه البادية، الجنوب، والمناطق الشرقية، وتنميتها وتحديث طرقها سيحوّلها إلى مركز لوجستي للعبور والتخزين والتوزيع، ما يدعم التجارة والتنقل.
إن تنمية الغوطة الشرقية، ضرورة وطنية اقتصادية واستراتيجية فإذا ما نظرنا إلى خارطة سورية بعد سقوط النظام، فإن الغوطة الشرقية تبرز كأولوية واضحة ليس فقط لردّ الظلم الذي لحق بها، بل لأنها رافعة تنموية حقيقية تخدم دمشق أولاً، وسوريا ككل.

#سفيربرس _ نورهان كردي، صحفية وباحثة في الشأن السياسي والاقتصادي

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *