أصوات الفن المسلوبة: من الإبداع إلى الإهمال.. بقلم الكاتبة: هدى زوين
#سفيربرس _بيروت
الفن هو روح المجتمع، ومرآة الإنسان، وعنوان الثقافة في كل حضارة. لكنه للأسف كثيرًا ما يصبح ضحية الإهمال، حتى من يقدّرونه في البداية لا يجدون من يحمي حقوقهم أو يضمن استمرار عطائهم. الفنان الكبير، الذي وهب حياته لإثراء الثقافة ونقل الرسائل الإنسانية، قد يموت بلا تقدير، بلا أمان مالي، وكأن جهده وإبداعه لم يكن له قيمة.
الفنانون، هؤلاء الذين يسهرون على صناعة الجمال ونقل الأفكار، يتحملون أعباء لا تعد ولا تحصى: التعب النفسي والجسدي، ساعات العمل الطويلة، التضحيات الشخصية، وغالبًا انعدام الأمان المالي. ومع ذلك، كثير منهم يُعاملون وكأن الفن مجرد هواية، أو كأن عملهم لا يستحق المقابل العادل.
المشكلة ليست فقط في المال، بل في غياب التقدير المعنوي والحماية القانونية. الفنانون يحتاجون إلى اعتراف المجتمع بقيمتهم، ودعمهم ليتمكنوا من الاستمرار في العطاء. كثيرون يقدمون أعمالهم بجهدٍ جهيد لتصل رسائلهم للجمهور، وفي المقابل، لا يحصلون على العوائد التي تضمن لهم حياة كريمة، ولا على الدعم الذي يحفظ استمراريتهم.
حقوق الفنانين هي حجر الأساس للحفاظ على الثقافة. تشمل حماية الملكية الفكرية، ضمان دخل ثابت، تقديم الدعم القانوني في حال الاستغلال، وتعزيز دور الجمعيات الثقافية في رعاية الفنانين. بدون هذه الحقوق، يصبح الفن مجرد سلعة، والإبداع مجرد ترف، ويُترك الفنان يواجه الحياة بمفرده، وكأن جهوده لا قيمة لها.
الدولة والمجتمع يتحملان مسؤولية كبيرة تجاه الفنانين. حين يهملونهم، لا ينهار الفن فحسب، بل يُضعف المجتمع ثقافيًا وروحيًا. الثقافة ليست رفاهية، بل هي روح الأمة، والفنانون هم من يصنعون هذه الروح. المجتمع الذي يفتقد تقدير فنه وفنانيه، سيجد نفسه عاجزًا عن نقل قيمه، وسيصبح مجرد مستهلك لموروثه الثقافي دون أن يقدّره.
الإبداع لا يُبنى على الحب والشغف وحدهما. يحتاج الفنان إلى أمان مادي ومعنوي ليواصل العطاء دون خوف من الضياع أو الإهمال. من حق الفنان أن يعيش حياة كريمة، وأن يحصل على حقوقه كاملة، لأن مساهمته تتجاوز حياته الفردية لتلامس وعي الأمة بأكملها.
علينا أن نتذكر دائمًا أن الفنان ليس مجرد اسم على لوحة، أو وجه على مسرح، بل هو روح المجتمع ووعيه. تجاهله اليوم يعني تجاهل مستقبل الثقافة، وإهمال إرث فني يحمل أفكارنا وقيمنا. على كل مجتمع يدّعي الاهتمام بثقافته أن يضع الفنان في مكانه الطبيعي: صانع الجمال، حامي الهوية، ومرآة الإنسان.
حقوق الفنانين ليست مجرد مطالب فردية، بل هي التزام اجتماعي وأخلاقي. المجتمع الذي يحمي فنه وفنانيه سيزدهر بالإبداع، وسيصنع إرثًا حقيقيًا للأجيال القادمة، بينما المجتمع الذي يتركهم وحدهم، سيعيش أزمة ثقافية وإنسانية لا يمكن تداركها بسهولة.
إن الوقت قد حان لإيقاظ الضمير، ومنح الفنانين ما يستحقونه من تقدير وحماية، كي تستمر أصواتهم في رفع الوعي، وصنع الجمال، وحفظ روح المجتمع.
#سفيربرس _بيروت_ بقلم : هدى زوين
كاتبة وإعلامية


