إعلان
إعلان

تواطئ حلاوة السُكّر مع مرارة الإستبداد. بقلم :سناء شامي

#سفيربرس _ايطاليا

إعلان

إن اللجوء إلى التحليلات السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية أو كل هذا معاً، لا يكفي اليوم لفهم مجريات الأحداث، و الأنظمة السياسية و بالتحديد منظومة الهيمنة؟

للتعمق في مفهوم الهيمنة علينا أن ناجئ إلى السُكّر، نعم السّكّر، الذي لم يكن سلعة حلوة الطعم فقط، بل كان له إمتداد تاريخي و سياسي، و لعب دور المحرك للتاريخ البشري. علينا أن لا نستغرب الأمر و نحن نعيش عصر سلعنة الحياة، ليس فقط الإقتصادية، بل الثقافية منها و السياسية، فكل مكونات الحياة صارت سلع تُؤثر و تتأثر بالسلع الأكثر أهمية. لقد غيّر السكر العالم، فقد كان وراء تحولات اقتصادية كبرى، و بنى نظم إجتماعية جديدة، وصراعات سياسية، وثورات علمية، لكنه في الوقت نفسه إرتبط إرتباطاً وثيقاً بالإستغلال و بالعبودية، و كلّف البشرية أثمان أخلاقية باهظة. و لو بحثنا في أصول السكر وانتشاره من خلال تتبعنا لجذور زراعة قصب السكر في غينيا الجديدة قبل نحو عشرة آلاف عام، و إنتقاله إلى الهند حيث ظهرت أولى تقنيات تكريره، ثم عبوره إلى العالم الإسلامي في العصور الوسطى، وصولًا إلى أوروبا التي حولته إلى سلعة فاخرة تُعرف بـ”الذهب الأبيض”. لقد كان هناك إرتباطاً وثيقاً بين إنتشار السكر وتوسع شبكات التجارة العالمية، إذ أصبح هذا الذهب الأبيض عنصراً رئيسياً في حركة البضائع بين الشرق والغرب، و طاغية لا يرحم، فمن خلال عرض تاريخي موثق لإرتباط الطلب الأوروبي المتزايد على السكر، يتضح كيف نشطت تجارة الرقيق عبر الأطلسي، و بتحليل لظروف عمل ملايين الأفارقة، تبرز جليّاً صور المستعبدين في مزارع الكاريبي والأمريكتين، حيث كان قصب السكر يزرع ويُعالج في ظروف قاسية للغاية، كما أن حلاوة السكر تحالفت مع الثورة الصناعية، إذ شكّلت حافزاً غير مباشر لهذه الثورة من خلال زيادة الطلب أيضاً على وسائل النقل، الآلات، والمصانع، كذلك تطوير المحركات البخارية لتحسين عمليات طحن القصب وتكريره، مما سرّع في التحولات الصناعية… كما إن تأثيرات السكر إخترقت السياسة، إذ أن تجارة السكر أشعلت الصراعات السياسية، مثل تمويل حركات الاستقلال في أمريكا الشمالية، وتأجيج ثورة العبيد في هايتي التي غيّرت موازين القوى الإستعمارية. أيضاً كانت لعائدات السكر فضل كبير فى تكوين الثروات السياسية وبناء نفوذ الدول الأوروبية، و ليس هذا و حسب، بل إن التطورات العلمية الناتجة عن الطلب على السكر، أدت إلى تحسين أساليب الزراعة، واختراع تقنيات تكرير جديدة، وإنتاج السكر من البنجر بدلاً من القصب خلال الحصار النابليوني، و برز دور العلماء والمهندسين في جعل إنتاج السكر أكثر كفاءة وربحية، و لكن هذا الإنتاج المتزايد كان له تأثير أخلاقي سلبي على المجتمع و أثمان إنسانية عالية: من إستغلال العمّال، تدمير المجتمعات الأفريقية، والأضرار الصحية الناتجة عن الإفراط في استهلاكه. كما أن الحملات المناهضة للعبودية كانت قد إستخدمت مقاطعة السكر المستورد من المزارع العبودية كسلاح سياسي وأخلاقي.
و إلى يومنا هذا نجد بأن إستمرار تأثير السكر على البُعد الإقتصادي المعاصر ما زال قائم من خلال صناعة الأغذية الضخمة، أساليب التسويق، والأزمات الصحية العالمية مثل السمنة وأمراض القلب. ما زال السكر سلعة إستراتيجية تتأثر بها السياسات الزراعية والتجارية للدول إلى يومنا هذا.
و السؤال هنا، كيف يمكن لمادة واحدة أن تعيد تشكيل تاريخ البشرية على مستويات الإقتصاد، العلم، والثقافة؟
و لماذا رافق و يُرافق التقدم الصناعي والتجاري استغلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟
و ما هي العلاقة بين الرغبة في الاستهلاك وثمنه الإنساني؟
جميع هذه الأسئلة علينا أن نغوص في العمق للرد عليها و لنتحرر من أثر السلع على قيمنا و إنسانيتنا، و لا سيما إننا في زمن سلّعوا فيه الإنسان ذاته… فسياسياً
يكشف إرتباط السكر بالبنية الإقتصادية للإستعمار والعبودية، ودوره في تمويل النظم الإستبدادية والرأسمالية الناشئة، مع ملاحظة وجود مفارقات كبرى بذات الوقت، حيث أن هذ السكر كان أداة قمع وتمويل للاستغلال، لكنه أيضًا ساعد في تمويل وتمكين حركات تحررية كبرى مثل ثورة هايتي. إذاً للسلع تاريخ سياسي يجب البحث فيه لفهم جذور قضايا العدالة الإجتماعية المعاصرة و علاقة الإستهلاك بالأخلاق، و هذا ما تطرق له الكاتب الأمريكي مارك أورنسون في كتابه (كيف غيّر السكر العالم؟).
السلع ليست مجرد مواد للإستهلاك، بل يجب النظر إليها بشكل شامل، و مراقبة كيفية تفاعل الإقتصاد، السياسة، والعلم مع سلعة واحدة لتشكيل مسار الحضارة الإنسانية. من العبودية إلى الثورة الصناعية، ومن الإستعمار إلى الحركات التحررية، ومن الإكتشافات العلمية إلى الأزمات الصحية المعاصرة، فالسلع هي مرآة لتأمل تاريخنا الجماعي وفهم الروابط الخفية بين الحلاوة والمرارة في التجربة الإنسانية.
و إذا طبّقنا ذات النظرة اليوم على البترول، الغاز، الطاقة و كل المعادن النادرة التي تحتاجها الصناعة التكنولوجية، نرى بوضوح تأثيرها حتى على الجيوسياسة، و لنأخذ البترول (الذهب الأسود) على سبيل المثال، و مدى تأثيراته السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية، الأمنية و الغذائية على الشرق الأوسط و العالم بشكل عام، و أيضاً على قوتنا اليومي، فالعالم يأكل بترولاً دون أن يدري، إذ أن الأرقام تشير إلى أن 15% من الوقود الأحفوري (الفحم، النفط و الغاز الأحفوري) يُستخدم في الزراعة و 42% يُستهلك في تصنيع الأغذية و التعبئة و التغليف، و 38% في المطاعم العامة و المطابخ الخاصة، و 20% فقط في الإنتاج الزراعي. إذا أخذنا في الإعتبار المنتجات البتروكيماوية المشتقة من معالجة الوقود الأحفوري فأن 40% منها يُستخدم في الزراعة، مقسّمة بين 44% في إنتاج الأسمدة و 6% في صناعة البلاستيك الذي يؤثر بشكل كبير في الزراعة و صيد الأسماك، تربية الأحياء المائية، فالبلاستيك اليوم يمثل 3.5% من إجمالي الإستخدام العالمي.

تتمة:
و وفقاً للوكالة الدولية للطاقة فأن إنتاج النفط التقليدي بلغ ذروته في عام 2006، و بأننا اليوم نعيش في عالم يعاني من ندرة النفط… إذاً ماذا و كيف سنأكل؟ ما دامت السلع هي من يتحكم بحياتنا، لماذا لا نصنع سلعاً بحجم إنسانيتنا نستعيد معها وجودنا و قيمنا؟ أليس من الأجدر للدول العربية أن تبدأ برسم إستراتيجيات سياسية جديدة لها، تقلل من تبعيتها للغرب، و ذلك من خلال المراهنة على نموذج زراعي و غذائي معاكس للنموذج السائد، يضع إحتياجات الأغلبية و النظام البيئي في المركز. لا يتعلق الأمر بالحنين إلى الماضي، بل بالحاجة الماسة إلى رعاية الأرض، و ضمان الغذاء للجميع دون سلب الحقوق و الكرامة، و لتجنيب المجتمع خطر الذل و التهديد، كما حدث أثناء الحصار الإقتصادي الأمريكي على العراق: البترول مقابل الغذاء. ألم يسرق الأمريكان بنك الحبوب في العراق و سوريا؟ البحث اليوم على نموذج فلاحي مختلف يحمي المجتمعات من الإستغلال لتحقيق مكاسب تجارية أشبه بالأسلحة الفتّاكة: فكلما كانت الزراعة صناعية و مكثفة و عالمية، زادت إعتمادها على النفط، و بعكس ذلك، كلّما كان النظام الزراعي المحلي و الموسمي الذي يعتمد على الزراعة البيئية، فهو يقلل من الإعتماد على الوقود الأحفوري و على التبعية للشركات العالمية التي تستخرجه. و كما هو معلوم للجميع، فأن المجتمعات الرأسمالية هي أكبر منظمة و مطورة للإنتاج، و مع فهم البنية التاريخية لهذه المنظمة المهيمنة على العالم، نستطيع تدريجياً العودة إلى بنية و علاقات الإنتاج لجميع المجتمعات السابقة للرأسمالية، و التي بنت الرأسمالية على أنقاضها، من خلال النظام الصناعي للزراعة، الإحتكار في العالم. علينا أن نعود لمفاتيح الإقتصاد القديم، كي نضعف مركزية الإنتاج الرأسمالي العالمي، الذي يسعى إلى إستعباد البشرية، كي نمنع غرق الشباب العربي في البحار، من أجل الوصول إلى الدول الرأسمالية التي ترى في نجاته، وصول سلعة رخيصة الأجر إلى أسواقها: الإمبريالية التي هي أعلى مراحل الرأسمالية، و لكي تضمن إستمراريتها و هيمنتها، لا بد أن تستمر في توفير العمالة الرخيصة من أجل تعزيز الرأسمالية الصناعية، و لا جديد تحت الشمس، فقد كانت تجارة الرقيق محرك التقدم الإقتصادي و الصناعي لبريطانيا، و إن صعود و سقوط تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، و إستخدام الأفارقة كعبيد في الإمبراطورية البريطانية و العنصرية، جميع ذلك إرتبط بأسباب إقتصادية بحتة، و العبودية لم تُلغى إلا عندما سقطت جدواها من الناحية المالية، بحكم تطور الآلة، و هذا يدحض الرواية التي رأت في تحرير العبيد علامة على التقدم الأخلاقي لبريطانيا… إذاً الإستعمار مرتبط بالرأسمالية، أو العكس، و الإثنان معاً مرتبطان بالإنتاج و موارده…إذاً لنحرر الأرض من النظام الصناعي، كي نصنع إنتاجاً بطعم الحرية و الكرامة.

#سفيربرس _إيطاليا _ بقلم : د. سناء شامي 

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *