إعلان
إعلان

كتب زياد ميمان: باص “قارة”: حكايةٌ من ذاكرة الأجيال.. وزمنٍ لا يصدأ

سفير برس - زياد ميمان

إعلان

بين ضباب الصباح في “قارة” وضجيج الحياة في “الشام”، لم يكن باص قارة مجرد وسيلة نقل، بل كان “بطل الرواية” اليومي الذي يبدأ زموره بإيقاظ الأحلام في تمام السادسة صباحاً.
كان الباص شرياناً يربط أحلام البسطاء بقلب العاصمة دمشق. وفي ثنايا تلك الرحلات اليومية، تُحفظ قصص الجدّ والاجتهاد، تماماً كما في حكاية هذا “الباص” الذي لم يُشترَ بمالِ فرد، بل بآمال قريةٍ كاملة
بدأت قصة هذا الباص بفكرة رائدة سبقت عصرها عام ١٩٧٣  بنظام “الجمعية المساهمة”. كان الاستثمار فيه عملاً تعاونياً بامتياز، حيث فُتح باب الاكتتاب ليكون الباص ملكاً للجميع. كان السهم الواحد آنذاك يساوي مئة ليرة سورية، وكل ما دون ذلك يُسجل في خانة “التبرع” من أجل المصلحة العامة.

يُقال إن ثمنه تجاوز آنذاك ثلاثين ألف ليرة سورية، وهو رقمٌ مهول في ذلك الوقت، تم تجميعه من خلال مقررٍ يقضي ببيع ثلاثمائة سهم، ليكون هذا المحرك المعدني شاهداً على تكاتف الأيدي

تعاقب على مقود هذا الباص رجالٌ نحتوا أسماءهم في ذاكرة الطريق؛ من  “يوسف رمضان” إلى “أحمد عرقوب”، و”خليل متري فرح”،  وصولاً إلى “خليل حامد”، و”مخيبر قدور”، و”حسين الأسمر” ومحمد قاسم طراد ونورس عرقوب. رحمهم الله جميعا. كان لكل منهم أسلوبه، وكان مكتب “عبد العظيم سويدان” في طلعة البريد هو نقطة الانطلاق،

لم يكن تصميمه يشبه حافلات اليوم ؛ فقد كان الباص عالماً قائماً بذاته. هل ينسى أحدنا “عريشة العنب” التي كانت تتدلى فوق رأس الشوفير؟ أو تلك “الحنفية” التي تروي عطش الركاب، بـ “كيلتها” المربوطة بسنسالٍ حديدي كي لا تضيع أو تُسرق؟ أما القادمون المتأخرون، فكانت “كراسي القش” التي توضع في الممر (النص) بانتظارهم، لتمتلئ الحافلة حتى آخر شبر.

في إحدى الرحلات ، تعطلت مسجلة الباص، لكن احد السائقين لم يترك الركاب للصمت. كان يحوّل المقود إلى آلة موسيقية، ويغني بصوته العذب ليطرد ملل الطريق:
“باص حياتي يا عين.. ما شفت زيو باص.. الباص فيه راكبين.. والباقي كلو فراغ!”
ورغم أن “الفراغ” لم يكن يعرف طريقاً لهذا الباص المزدحم دائماً، إلا أن الأغنية كانت تزرع الضحكة في القلوب المتعبة من مشوار الطريق الطويل.

كانت البساطة هي سيدة الموقف؛ يُحكى أن مسناً سأل رفيقه يوماً بلهفة: “وصلنا ع دمشق؟”، فأجابه الثاني بروح الفكاهة السائدة آنذاك: “وصلنا لعين القص!” (المزرعة المجاورة للـطيبة)، ليضحك الركاب وتطول الحكاية.
ولا تغيب عن الذاكرة تلك الرحلة المدرسية في نيسان إلى الساحل؛ حيث كان الباص “يدلف” علينا المطر كلما صعدنا، فإذا نزلنا توقف المطر! كانت رحلة “متشتشة” بالماء، لكنها بقيت “أحلى من العسل” في ذاكرة أطفال الابتدائي آنذاك.

سقا الله تلك الأيام وعفويتها. لقد كان طالب العلم منا يجد في هذا الباص مكتبةً، والمعاون يجد فيه رزقاً (بمئة وخمسين ليرة شهرياً)، والركاب يجدون فيه بيتاً متنقلاً.
لم باص قارة مجرد مقاعد وكراسي قش ، بل كانت صالوناً ثقافياً واجتماعياً متنقلاً، تزدحم فيه الضحكات والطرائف، وتُنسج فيه قصص العابرين والمقيمين.
اليوم، وبينما تتضارب الأخبار وتختلط الروايات بين “التكهنات” والحقائق، تظل هذه الذاكرة هي المرجع الأصدق. فرغم مرور السنين، يبقى مشهد الباص، وصوت محركه، وأسماء الرجال الذين أرسوا دعائمه، محفورة في وجدان القرية، تذكرنا بزمنٍ كان فيه السهم مئة ليرة، والكلمة ميثاقاً، والرحلة إلى دمشق رحلة عُمر.

#سفير برس ـ زياد ميمان#

إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *