كتبت الإعلامية رنيم الباشا : الإمارات.. لماذا بقيت وطناً مستقراً رغم التصعيد الإقليمي؟
سفيربرس _دبي

في منطقة اعتادت أن تعيش على وقع الأزمات السياسية والعسكرية، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم كنموذج مختلف. فمع تصاعد التوترات الإقليمية والهجمات التي طالت بعض دول الخليج مؤخراً، ظل السؤال الذي يطرحه كثيرون: كيف تمكنت الإمارات من الحفاظ على استقرارها رغم هذه الظروف؟
الإجابة لا تتعلق بحدث واحد أو إجراء مؤقت، بل بمنظومة كاملة بُنيت على مدى عقود، جعلت من الدولة واحدة من أكثر دول المنطقة قدرة على إدارة الأزمات.
أول ما يلفت الانتباه في التجربة الإماراتية هو الجاهزية المؤسسية. فعندما تتعرض أي دولة لتهديدات أمنية أو تصعيد عسكري في محيطها، يكون الاختبار الحقيقي هو قدرة مؤسساتها على التعامل مع الحدث دون أن تتحول الأزمة إلى حالة من الارتباك الداخلي. في الإمارات، أثبتت المؤسسات الحكومية والأمنية أنها تعمل وفق خطط واضحة لإدارة الطوارئ، الأمر الذي ساهم في احتواء تداعيات التصعيد ومنع انتشار القلق بين السكان.
العامل الثاني يتمثل في قوة البنية التحتية والخدمات الأساسية. فالدول التي تمتلك أنظمة متطورة في النقل والطاقة والاتصالات تستطيع الاستمرار في العمل حتى في أصعب الظروف. وخلال الأيام الماضية، ورغم التوترات الإقليمية، استمرت الحياة في مدن مثل دبي وأبوظبي بشكل شبه طبيعي، وهو ما يعكس مستوى الاستعداد الذي وصلت إليه الدولة في إدارة القطاعات الحيوية.
كما لا يمكن إغفال العنصر الأمني. فقد استثمرت الإمارات خلال السنوات الماضية بشكل كبير في تطوير منظوماتها الدفاعية والأمنية، ليس فقط لحماية حدودها، بل لضمان شعور المواطنين والمقيمين بالأمان. هذا الاستثمار لم يكن وليد اللحظة، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى حماية الاستقرار الداخلي في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
إلى جانب ذلك، تلعب السياسة الخارجية المتوازنة دوراً مهماً في تعزيز الاستقرار. فالإمارات تحرص دائماً على الدعوة إلى خفض التصعيد والحلول السياسية للنزاعات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على حماية مصالحها وسيادتها. هذا التوازن بين القوة والدبلوماسية يمنح الدولة هامشاً أوسع للتعامل مع الأزمات دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
لكن ربما يبقى العامل الأهم هو الثقة المتبادلة بين المجتمع والدولة. فالإمارات اليوم تضم مجتمعاً متنوعاً يعيش فيه ملايين الأشخاص من مختلف الجنسيات والثقافات، ومع ذلك يظل الشعور العام هو الاستقرار والأمان. هذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة سنوات من الاستثمار في التنمية وجودة الحياة والخدمات، وسيادة القانون، واحترام الحريات، وضمان مساحة من الخصوصية لكل مواطن ومقيم وزائر.
ففي هذا البلد لا يُسمح لأي شخص أن يتطاول على الآخر أو ينتهك حريته وأمانه. وقد نُسجت العلاقات الاجتماعية على أساس الاحترام والقانون والتقبّل؛ فلا إقصاء ولا إلغاء، ولا اعتبارات دينية أو سياسية أو عرقية، بل قانون يحمي الجميع ويضمن التعايش.
في نهاية المطاف، ما يحدث اليوم في المنطقة يذكرنا بحقيقة مهمة: الاستقرار لا يُبنى في لحظة، بل هو نتيجة عمل طويل ورؤية واضحة. وقد قدمت الإمارات خلال العقود الماضية نموذجاً لدولة استطاعت أن تجمع بين التنمية والأمن والانفتاح، وهو ما يفسر قدرتها على الحفاظ على توازنها حتى في أكثر الفترات حساسية في المنطقة.
ولهذا السبب، يظل كثيرون ينظرون إلى الإمارات ليس فقط كدولة ناجحة اقتصادياً، بل كواحة استقرار في محيط إقليمي شديد التعقيد.
#سفيربرس _بقلم : الإعلامية رنيم عدنان الباشا _ دبي


