إعلان
إعلان

ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم _بقلم : د. سناء شامي

#سفيربرس

إعلان

بعيداً عن الإنفعالات و الإتهامات و العنتريات، ففي قارب السياسة، الكثير من الثقوب، و تبادل للإتهامات و الإختباء وراء إيديولوجيات سياسية و دينية، لن يسد ثقوب السفينة و لن يمنع البحر من إختراقها: إنّ الإيديولوجيات الدينية كانت و ما تزال المركز التي تدور حوله الحروب، مدعّمة بالإيديولجيات السياسية، و الحزبية… يبدو العالم العربي منقسماً اليوم بين معسكر دعم حرب إيران ضد إسرائيل و الخليج، و بين معسكر مهاجمة و نقد إيران في حربها هذه… و لو إبتعدنا قليلاً عن التحليل و الشتم و المدح، و حاولنا أن نفهم فقط ما حدث و يحدث، دون إطلاق أحكام مسبّقة، فقط لنواجه تساؤلات، و إجابات قد تساعدنا على الفهم أولاً دون رياء أو إنفعال أو تعصب لهذا أو لذاك: و لو غصنا في التاريخ و عدنا لمذابح القدس في عام ٦١٤م، نرى بأن الغزو الساساني للقدس من قِبل الجيش الفارسي، بقيادة شهربراز، حدث بإسم إيديولوجية دينية عملت على قتل مسيحيين القدس… ثم في عام ٦٢٥م جاءت ثورة اليهود ضد هرقل في القدس و الجليل، تم فيها إنهاء وجود اليهود على يد هرقل، و قتل المسيحيون البيزنطيون… بعد ذلك في عام ١٠٩٩م حاصر الصليبيون القدس و قتلوا المسلمين و اليهود و أسّسوا بيت المقدس… بهذا التلميح التاريخي البسيط، أشير بأن الحرب، منذ الغزو الأول للقدس، هي في أساسها حرب إيديولوجيا دينية و كل ما دار حولها و يدور هو آليات و إدارة للزمن… و بخصوص المنطقة العربية- الإسلامية، نلاحظ بأن الدولة الصفوية و منذ ٥٠٠ عام شيّعت المنطقة، و إذا نظرنا لإيران اليوم، فمنذ حكم الشاه فيها، إعتمدت الإيديولوجية الدينية، إذ قال الشاه لإحدى مستشاريه: “توسع إيران في المنطقة يستدعي أمّا تشييع العرب، أو أن تتسنّن إيران”… ثم أن الفكر الثوري الشيعي-الإسلامي، كان قد وُلد مع آيات الله الخميني، من خلال إقامته الطويلة في النجف… و بالتالي، التجربة الفارسية الجديدة، أطلقوا عليها تسمية جديدة هي الثورة الإيرانية،  بعد ذلك، فمن المنطق أن تنشغل الحكومات المتوالية في إيران،  بالجانب الشرقي السني المتمثل بأفغانستان، و الجانب العربي المتمثل بالعراق… و فيما يتعلق بالعراق، دون الخوض في إضطراباته و إنقلاباته السياسية العسكرية، التي يسجلونها على إنها ثورات، إبتداءً من ثورة ١٤ تموز / يوليو ١٩٥٨، مروراً بجميع الإغتيالات و الإنقلابات و الصراعات بين جيش و أمن و سياسيون و قوى دينية و أحزاب، وصولاً إلى ما سمّوه بالحركة التصحيحية في عام ١٩٦٨ و التي ترأسها حزب البعث العربي الإشتراكي، و الذي هو الآخر تعرض لمحاولة إنقلاب في عام ١٩٦٩، لكنها  باءت بالفشل…

في جميع ما حدث للعراق، ألم تكن إيران حاضرة، ألم تنضم إلى حلف بغداد الذي كان يهدف إلى تعطيل أي محاولة وحدة عربية؟ ألم يكن حزب الدعوة الإسلامية العراقي الذي تأسس في ١٩٥٨، دينياً في ظاهره، سياسياً مسلّحاً في باطنه، و كان معارضاً لحزب البعث، و  مدعوماً و داعماً بشكل مطلق لإيران، و له توجهات طائفية عنيفة، تسعى لإعادة التاريخ العربي و الإسلامي بما يتناسب فكرهم الطائفي، و بما يخدم أهداف إيران، لذلك كان يعمل على تغيير التركيبة المذهبية للشعب العراقي و تحريف التوجه العربي القومي للعراق، بل تأسس لإضعاف العراق و لمواجهة القوى القومية و على رأسها حزب البعث العربي الإشتراكي العراقي، ( و أشير بأنني لم أكن يوماً حزبية، و لا أؤمن بالتحزب)، لكني أشير هنا إلى حزب البعث العربي الإشتراكي العراقي كخط معادي للخط الإيراني الصفوي التوسعي… كذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني المعارض لوحدة العراق و للقومية العربية، كان حزباً مساحّاً و مدعوماً من إيران و إسرائيل و الغرب، و نتيجةً للدعم العسكري و المالي و الإعلامي الصهيوني، الأمريكي و الإيراني لهذا الحزب، و لزعيمه الصهيوني مصطفى البرزاني، فقد تحول إلى قوة معارضة كبيرة في المنطقة الكردية من العراق… و هنا أتوقف بين قوسين لأشير إلى أن ما يحدث اليوم من هجوم على إيران و من إيران “ضد إسرائيل” و دول الخليج، يجب أن تتم قراءته، ليس فقط من باب العواطف، و السخط على إسرائيل، التي تستحق الشماتة و السحق، كقوة إستعمارية توسعية في المنطقة، و لكن من خلال المسار الجيوسياسي فأن هناك علاقات إيران مع إسرائيل متينة للغايه منذ الشاه، و قد أخذت منحى آخر مع وصول الخميني، لكن هذا لا يعني نسف جذور هذه العلاقة… و الحرب الحالية التي تشنها إيران ضد الدولة الوظيفية إسرائيل، لا يمس بمكانة إيران داخل شطرنج النظام العالمي الحديث، الذي هو نفسه يريد إنهاء الإسلام السياسي و الصهيونية معاً، التي إستوفت دورها في الشرق الأوسط، من خلال إسرائيل، و زوال دولة إسرائيل، لا يعني زوال النظام الإمبريالي العالمي، بل ربما، تُزاح إسرائيل لتترك مكانها للنظام العالمي الجديد :
تتوفر الآن في الأرشيف الإسرائيلي ملفات وزارة الخارجية التي رُفعت عنها السرية مؤخراً بشأن العلاقات مع إيران. وتشمل هذه الملفات أكثر من 10,000 صفحة تغطي الفترة من 1953 إلى 1979:
اشترت إسرائيل جزءًا كبيرًا من نفطها (وفي بعض السنوات كلّه) من نظام الشاه، بينما استخدمت إيران إسرائيل كوسيط لبيع نفطها إلى دول أخرى. وقد اشترط التحالف النفطي على إسرائيل والشاه ضمان أمن الطرق البحرية. وعزز هذا التعاون بينهما في مواجهة محاولات مصر المتكررة، بقيادة جمال عبد الناصر، لعقد تحالفات أيديولوجية وعسكرية معادية لإيران وإسرائيل في الشرق الأوسط، ولا سيما في دول الخليج وشبه الجزيرة العربية…
عملت شركات إسرائيلية خاصة وعامة، في إيران لفترة طويلة، في قطاعات متنوعة تشمل المنسوجات والزراعة والأجهزة المنزلية والمياه والأسمدة والبناء والطيران والشحن والغاز والمطاط، وحتى تركيبات الأسنان، و في الأمن، و السياسة و العسكر، و لسنوات عديدة، كانت إيران وجهة رئيسية للصادرات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تمتعت الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية بتعاون واسع النطاق مع نظرائها في إيران.
قبل “الثورة الإسلامية”، كانت العلاقات بين الإيرانيين والإسرائيليين ممتازة. لكن إتباع إيران، منذ الخميني سياسة العداء لإسرائيل و الدعاية المعادية للصهيونية ليس إلا إستراتيجية المدى البعيد المطلعة و العارفة بالتوجهات العالمية للسلطة و للدولة العميقة، التي لها “فروعها” داخل كل الدول في العالم، و الصداقة أو العداء في الإستراتيجيات السياسية هو جزء من مشاريع سلطوية لا بد من التحضير لها مرحلياً و من خلال سياسات الأزمات و التحالفات و العداءات المفتعلة و كل هذا شكّل و يُشكل آليات لإعادة صناعة الأنظمة العالمية أو تجديدها حفاظاً على السلطة التي لا بد من التمييز بين مفاهيمها و  بين مفاهيم السياسة…سقوط الإسلام السياسي و الصهيونية آتٍ لا محالة، و سقوطهما هو جزء من الإستراتيجيات البعيدة المدى للنظام العالمي التي أشار إليها ، منذ عام 1871الجنرال الأمريكي آلبرت بنجامين بايك (كان من المحرضين ضد البابوية و الكاثوليكية و داعماً للثورة الفرنسية و مبادئها، و قد نشرت سابقاً مقالاً بعنوان مراسلات ماتسّيني-بايك)، و هذا المدى قد بات قريباً جداً اليوم، و ضرب إيران لإسرائيل ليس إلا جزء من المناورات و الآليات التي وافقت عليها بصمت قادة النظام العالمي الحديث، و  للمشروع الصفوي له كل الحق بفرض وجوده، فهو لم يتوقف يوماً عن إعداده…
يجب أن نستيقظ و نقرأ التاريخ و الأحداث من موقع الضحايا لا من موقع القوة، لنستوعب بأن الولايات المتحدة الأمريكية، كحكومة، تعمل على إلغاء السيادة في العالم كي تجعل من هيمنتها إمبراطورية، و أن مفهوم الإمبراطورية ليس مجرد ظاهرة تاريخية، بل منطق حكم عالمي يتكرر عبر الحضارات: من روما القديمة إلى الولايات المتحدة المعاصرة، ما زال يتكرر نفس النموذج الذي يتمثل بقوة مركزية واسعة النفوذ تسعى إلى إدارة محيط عالمي مضطرب عبر السيطرة و متناحر، أو بحجة التمدين، التنظيم الأمني، و الدمج الاقتصادي، لتولد هذه الإمبراطورية من جديد، من رحم كياناتها الاستعمارية التقليدية، معتمدةً على صناعتها لمركز قوي يفرض النظام ويحدد قواعد اللعبة على الأطراف، و يصنع مناطق تابعة تتمتع بهوامش متفاوتة من الإستقلال، و غالباً هذه المناطق التابعة، تُمنع حتى من حقها بموقف الحياد أيّاً كان لونها، و تُجبر على الإنحياز، و هذا ما حدث و ما زال يحدث فيما تسمى بمنطقة الشرق الأوسط، و التي تشمل اليوم أيضاً شمال إفريقيا‪.‬‬ الإستمرارية في الحياة لمن يفكر، يخطط لمشاريع بناء، و ليس لمن يحتفل في مواقع التواصل الإجتماعي بسقوط بعض المنشآت للعدو المجاور منذ مئة عام تقريباً… لو طبقتم قوانين القرآن في حياتكم لفهمتم قانون الإستمرارية في الآية 38 من سورة محمد
هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾
صدق الله العظيم.

#سفيربرس _بقلم :د. سناء شامي 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *