إعلان
إعلان

بين الحقّ والسوق… تأملات في التعليم والصحة. بقلم : د. عطية العلي

#سفيربرس _الكويت

إعلان

أثارت تقارير صحفية حديثة حول توجه هيئة الاستثمار السورية نحو توسيع دور القطاع الخاص في قطاعي الصحة والتعليم، وهو طرح يفتح باب التساؤل والنقاش حول مستقبل هذين القطاعين، ليس من باب الرفض للتطوير، بل من منطلق إدراك حساسيتهما وأثرهما المباشر على حياة المواطنين واستقرار المجتمع

ليست كل مسارات الإصلاح تُقاس بحسن نواياها، بل بقدرتها على حفظ التوازن بين حقّ المواطن ودور الدولة، فاستقرار أي مجتمع يقوم على ثلاث ركائز لا غنى عنها: الأمن، والتعليم، والصحة، وأي خلل في واحدة منها لا يبقى أثره محدودًا بل يمتدّ ليُضعف تماسك المجتمع ويُربك حياة الناس.

التعليم في معظم الدول يقوم على مزيج من القطاعين العام والخاص، وهذا في أصله ليس إشكالًا، لكن الخلل يبدأ حين يضعف التعليم العام فيُدفع الناس إلى الخاص اضطرارًا لا اختيارًا، فتتحول الجودة إلى عبء مالي وتفقد العملية التعليمية توازنها وعدالتها.

أما الصحة فالأمر فيها أكثر حساسية، لأنها لا تحتمل التأجيل ولا المفاضلة، إذ ترتبط مباشرة بحياة الإنسان وكرامته، ومن هنا فإن التوسع غير المنضبط في تسليم قطاعي التعليم والصحة للقطاع الخاص بصورة كاملة قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتراجع عدالة الوصول واتساع الفجوة بين فئات المجتمع، وحين تتحول هذه القطاعات من حقوق أساسية إلى خدمات تُقاس بالقدرة المالية، فإن الأثر لا يقف عند الفرد بل يمتدّ إلى توازن المجتمع واستقراره المعيشي.

ولذلك فإن القضية ليست في وجود القطاع الخاص، بل في حدود دوره، فالشراكة المتوازنة قد تكون مطلوبة، لكنها لا يمكن أن تقوم على حساب إضعاف القطاع العام أو التخلي عن مسؤوليته، فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على التنظيم، بل بقدرتها على الضمان، خصوصًا في القطاعات التي تمسّ حياة الناس بشكل مباشر.

ولأننا نحب هذا الوطن ونحرص على تطوره واستقراره، فإننا نُنبّه إلى خطورة القرارات التي لا تستند إلى تقدير دقيق للواقع، أو التي تغلّب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، فمثل هذه القرارات قد تُضعف الثقة وتُربك مسار الإصلاح مهما كانت نواياه.

إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بنقل المسؤولية، بل بإعادة بنائها، وتعزيز كفاءة مؤسساتها، وبناء توازن عادل بين القطاعين العام والخاص، يحفظ الحقّ ويمنع تحوّله إلى عبء.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن التعليم يبني الإنسان، والصحة تحفظ حياته، ولا يمكن أن يُترك أي منهما لمنطق السوق وحده، فهما حقّان أصيلان وأمانة في عنق كل مسؤول وميزان يُقاس به عدل الدول واستقرارها.
والله من وراء القصد.

#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *