كلمة الدكتور نصر الدين العبيد المدير العام لمنظمة المركز العربي – أكساد بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف 2026
#سفيربرس

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف 2026
“المراعي إدراك – احترام – استعادة”
يحتفل العالم في السابع عشر من حزيران / يونيو من كل عام باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، وهو أحد أيام الأمم المتحدة الذي يهدف إلى تعزيز الوعي بالتصحر والجفاف، كونهما من أكبر التحديات البيئية في أيامنا هذه، وإنه لمن دواعي سروري أن تشارك منظمة المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة – أكساد بهذا اليوم لتسليط الضوء على واحدة من أهم المخاطر الطبيعية والأكثر انتشاراً في أراضي المناطق الجافة وشبه الجافة من العالم، وبخاصة في عالمنا العربي، واستشعاراً منا بخطورة التصحر والتغيرات المناخية التي نعيشها حالياً، والمتمثلة بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وعلى اعتبار أن التصحر بات قضية عالمية لما لها من آثار خطيرة على حياة البشر واقتصادهم، فهو يهدد سبل العيش لأكثر من مليار شخص يعيشون في 100 بلد في العالم، وتشغل الأراضي القاحلة 70% من مساحة الوطن العربي، وتشير تقارير الأمم المتحدة على أنه لتلبية حاجة الفرد من الغذاء والكساء يتطلب توفير 3 هكتار للفرد , وبسبب الأزمة البيئية التي يعيشها العالم والتي تهدد الأمن الغذائي العالمي من جراء تعاظم التصحر وزيادة السكان في العالم إلى أكثر من 7 مليارات شخص فقد تراجع نصيب الفرد العربي إلى أقل من 1.5 هكتار مما تسبب بفجوة غذائية قاربت 44 مليار دولار.
تعتبر المراعي مورداً رئيسياً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، فهي نظام بيئي حيوي يوفر موائل للحياة البرية، ويمثل المصدر الأساسي لتغذية الثروة الحيوانية وإعاشة قطاع كبير من سكان الريف والمجتمعات الرعوية، إذ تبلغ مساحة المراعي الطبيعية في الوطن العربي حوالي 425 مليون هكتار حيث تشكل (نحو 32% من المساحة الكلية)، وتتفاوت مساهمتها في الموازنة العلفية بين الدول تبعاً لهطول الأمطار ومساحة الأراضي الرعوية، وقد تعرض الغطاء النباتي لهذه المراعي لتدهور كبير، مما أدى إلى تقليص مساحتها، وتدني إنتاجيتها كمّاً ونوعاً، واختفاء أصول وراثية هامة، وسيادة نباتات غازية، ونتيجة لهذا التدهور، تحولت مناطق رعوية واسعة كانت تغطيها نباتات معمرة جيدة إلى مراعي حولية موسمية قليلة الاستساغة، مما سبب اختلالاً في النظم البيئية للكائنات الدقيقة ودورة الماء.
تعمل منظمة المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة – أكساد على دعم الجهود العربية لتحقيق تنمية مستدامة للمراعي الطبيعية، وزيادة مساهمتها في سد الفجوة العلفية، مما يعزز الأمن الغذائي، ويحافظ على التنوع الحيوي، ويخفف من آثار تغير المناخ. ولتحقيق ذلك، تسعى المنظمة إلى تعزيز التعاون بين العلماء والخبراء العرب، وتوفير البيانات والمعلومات الخاصة بالمراعي، وبناء القدرات وتنمية المهارات في مجال الإدارة المستدامة. كما تعمل على تسهيل تبادل البحوث والموارد الوراثية الرعوية، ونشر الوعي بأهمية المراعي، وتطوير تشريعات استرشادية لحمايتها، وإنشاء نظم رصد لمتابعة حالتها في جميع أنحاء الوطن العربي.
إلى جانب ذلك قامت منظمة المركز العربي – أكساد بتنفيذ برامج ومشاريع رائدة في مجال تأهيل الأراضي الرعوية ومكافحة التصحر. على مستوى معظم الدول العربية، ففي سورية كان مشروع مراقبة التصحر ومكافحته في البادية السورية – جبل البشري باستخدام تقانات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية ومشروع تثبيت الكثبان الرملية بالهريبشة وكباجب، وفي الأردن تم تنفيذ مشروع مراقبة التصحر ومكافحته في منطقة صبحا والصرة معتمدة على الأساليب والتقنيات الحديثة من حصاد المياه وبناء سدات ومنشآت صغيرة لتجميع مياه الأمطار، وتنفيذ مصاطب وأحزمة شجرية لمكافحة الانجراف المائي والريحي. وزراعة النباتات الرعوية وإعادة التشجير بالنباتات المحلية المقاومة للجفاف. وتنظيم الرعي بتطبيق أنظمة “الحمولة الرعوية” العادلة بالتعاون مع المجتمعات المحلية.
كما نفذت أكساد مشاريع وطنية رائدة على المستوى القطري، ساهمت في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، ففي
السعودية تم تأهيل أكثر من 2,000 هكتار من الأراضي المتدهورة في منطقة العمارية، وفي الجزائر نجح مشروع السهوب في تأهيل 4,000 هكتار، مما ساهم في مكافحة زحف الرمال وزيادة الغطاء النباتي، وفي العراق مشروع ” تنمية الحماد العراقي – تأهيل وتحسين المراعي وذلك لتأهيل وتحسين المراعي الطبيعية، وفي مصر والسودان والإمارات واليمن وعُمان وليبيا وتونس نفذت عشرات مشاريع مسح وتقييم الغطاء النباتي الرعوي وتحديد الحمولة الرعوية واعداد خرائط تدهور الراضي وإنشاء قواعد بيانات لمواقع الرعي الطبيعية وانشاء مشاريع حصاد مياه المطار واستنباط أصناف ذات إنتاجية عالية من القمح والشعير والمتحملة للإجهادات البيئية والجفاف والملوحة، كما قامت أكساد باعداد وتنفيذ برامج تدريبية لبناء القدرات الوطنية في مجالات مكافحة التصحر والرعي المستدام، استفاد منها آلاف الفنيين من الكوادر العربية المتخصصة، وأصدرت عشرات الأطالس والمراجع العلمية حول التصحر ومنهجيات مكافحته.
إن مواظبة احتفال منظمة أكساد بيوم التصحر العالمي ما هو إلا استمراراً لنشاطاتها وفعالياتها الهادفة إلى نشر الوعي حول أسباب ومخاطر وتقنيات مكافحة التصحر، وتعزيز بناء القدرات للفنيين والاختصاصيين العرب من العاملين في مجال مراقبة التصحر ومكافحته، وهو استكمال للعمل الجاد والمميز الذي تقوم به أكساد للمحافظة على الموارد الطبيعية من خلال خبراتها المتنوعة والمتراكمة، ومنها الإدارة المستدامة للأراضي، وترشيد استخدامات المياه، واستنباط الأصناف المحصولية المقاومة للجفاف والأشجار المثمرة المتحملة للإجهادات البيئية ، إضافة إلى إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة والتخفيف من الآثار السلبية للجفاف والتغيرات المناخية.
ختاماً.. إن رسالتنا في يوم التصحر العالمي هي الالتزام بالشعار الذي طرحته الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر “المراعي: إدراك. احترام. استعادة” مع تأكيدنا على ان قيمة المراعي تتمثل بكونها نظام بيئي منتج يوفر خدمات بمليارات الدولارات، والمعرفة المحلية للرعاة هي جزء من الحل، وليس جزءاً من المشكلة، حيث ان احترام أنظمة الرعي التقليدية التي كانت تحمي المراعي تعني استعادة الأمن الغذائي والمناخ والتنوع البيولوجي من خلال دمج المعرفة المحلية في خطط الإدارة، وإشراك شيوخ القبائل في قرارات الحماية والرعي المخطط، وأن استعادة المراعي ممكنة، بسيطة، وغير مكلفة إذا تم تطبيق الإجراءات الصحيحة
أجدد لكم التزامنا بقضايا ومشاكل المناطق الجافة والأراضي القاحلة والعمل على الحد منها، ويشرفني أن أضع كافة خبرات منظمة “أكساد” الفنية في خدمة ونجاح الجهود العربية والعالمية في مجال مكافحة التصحر والتخفيف من أثار الجفاف.
والله ولي التوفيق
#سفيربرس _د. نصر الدين العبيد



