بين الطلاق والرحمة… لحظة إنسانية تستوقفنا. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
تداولت إحدى المنصات الإعلامية الإلكترونية خبراً عن زوجة احتضنت زوجها في جلسة محكمة كانت مخصصة للنطق بحكم الطلاق، وقيل إنها مزّقت أوراق الطلاق قبل صدور الحكم، في لحظة عاطفية مؤثرة. كما أُشير إلى أن خلافات الزوجين لم تمنع الزوج من الوقوف مع أسرة زوجته في أزمة مرض والدها.
ومثل هذه القصص، أياً كانت تفاصيلها، تفتح أمامنا نافذة واسعة للتأمل في عمق العلاقات الإنسانية، وخاصة العلاقة الزوجية التي لا تُقاس بلحظة غضب أو قرار سريع، بل تُبنى عبر سنوات من المودة والمعاشرة والرحمة.
يقول الله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]،
ويقول سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]،
كما يرشدنا القرآن إلى أسمى معاني التعامل حتى في لحظات الفراق:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]،
ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
وفي السنة النبوية الشريفة، يضع النبي ﷺ ميزاناً دقيقاً للعلاقات الزوجية بقوله:
«لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم)،
وهو توجيه نبوي كريم يدعونا إلى عدم حصر العلاقة في زاوية واحدة، بل النظر إليها بمنظور الإنصاف وتقدير الخير المتبادل.
ومن جميل ما قيل في المعاني الإنسانية التي تحفظ أثر المعروف بين الناس قول الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته… وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وفيه إشارة إلى أن الإحسان لا يضيع، وأن للمواقف الطيبة أثراً يبقى في النفوس مهما تغيرت الظروف.
إن العلاقات الإنسانية ليست معادلاتٍ صمّاء، بل هي حياةٌ نابضة تتقاطع فيها العاطفة مع التجربة، ويظل فيها الإنسان أسبق من أي حكمٍ أو رقم.
إن العلاقات الإنسانية ليست حساباتٍ جامدة، بل هي مزيج من القرب والبعد، والاتفاق والاختلاف، لكن تبقى قيم “المروءة” و“الفضل” و“الرحمة” قادرة على أن تحفظ للإنسان إنسانيته، وأن تجعل حتى لحظات الانفصال أكثر هدوءاً وسمواً.
ومثل هذه القصص، أياً كانت تفاصيلها، تحمل في جوهرها رسالة إنسانية جميلة، تذكّرنا بأن المواقف الصادقة والرحيمة تبقى حاضرة في الذاكرة، وأنَّ المعروف لا يضيع بين الناس، بل يترك أثره حتى في لحظات الخلاف.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن الزواج ليس مجرد خلاف يُحسم، ولا إجراء قانوني يُعلن، بل هو رحلة إنسانية طويلة تُبنى فيها المودة، وتُصان فيها العشرة، ويُحفظ فيها الفضل، امتثالاً لقيم الرحمة التي جاء بها هذا الدين العظيم.
#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي _ الكويت


