كتب د. عدي سلطان : الليرة السورية أمام الدولار: عندما تصبح الأرقام أسرع من الاقتصاد
#سفيربرس

يبدو أن سعر الصرف أصبح أكثر نشاطاً من الاقتصاد السوري نفسه. يستيقظ المواطن على خبر انخفاض الدولار، فيظن لوهلة أن انفراجاً يلوح في الأفق، لكنه ما إن يخرج إلى السوق حتى يكتشف أن ربطة الخبز، وكيلو السكر، وأجرة النقل، لم تقرأ نشرات الصرف بعد.
خلال الأيام القليلة الماضية قفز الدولار في السوق الموازية إلى أكثر من 14,500 ليرة، ثم عاد ليتراجع إلى حدود 13,200 ليرة، بينما واصل مصرف سوريا المركزي تعديل سعره الرسمي. ومن يراقب هذه الأرقام قد يظن أن الاقتصاد السوري يعيش حالة من الحيوية الاستثنائية، لكن الحقيقة أقل إثارة بكثير؛ فالاقتصادات لا تتعافى بين ليلة وضحاها، حتى لو فعلت أسعار الصرف ذلك.
في الاقتصاد، لا يرتفع سعر العملة لأن شاشة التطبيقات قالت ذلك، بل لأن الإنتاج ازداد، والصادرات نمت، والاستثمارات تدفقت، والثقة تعززت. أما عندما يتحرك السعر دون أن تتغير هذه الأسس، فمن الطبيعي أن نسأل: ما الذي تغير فعلاً؟
أرى بأن أحد التفسيرات المحتملة يعود إلى عملية استبدال العملة المتداولة، التي رفعت الطلب مؤقتاً على الليرة الجديدة مع سعي المواطنين لاستبدال الأوراق النقدية القديمة. وهذا عامل فني أكثر منه اقتصادياً، يشبه ازدحام الناس أمام صراف آلي في أول الشهر؛ فالازدحام لا يعني أن الجميع أصبح أكثر ثراءً.
وهناك أيضاً تفسيرات أخرى محتملة للتراجع المؤقت في سعر الدولار، يطرحها بعض المراقبين، مثل تغيّر مؤقت في مستويات السيولة، أو ارتفاع في التحويلات الخارجية خلال فترات معينة، أو انخفاض موسمي في الطلب على الاستيراد. وتبقى هذه قراءات تحليلية محتملة أكثر منها وقائع مؤكدة، إذ يصعب على المراقب الخارجي تأكيد أي منها بدقة دون بيانات رسمية شفافة. لكن هذه العوامل، مهما كان أثرها الفعلي، لا تغير الصورة الكبرى.
فالصورة الأكبر ما تزال كما هي: اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وإنتاج محلي لم يستعد عافيته بالكامل، وصادرات محدودة، وتدفقات عملات أجنبية غير مستقرة. وهذه المعطيات تولد طلباً دائماً على الدولار، لذلك يبقى أي تحسن سريع في سعر الليرة معرضاً للتراجع عندما تنتهي الظروف الاستثنائية التي صنعته.
المفارقة أن الأسعار في الأسواق لا تؤمن كثيراً بهذه التقلبات. فعندما يرتفع الدولار، تستجيب بسرعة تحسد عليها. أما عندما ينخفض، تدخل في مرحلة من التأمل الاقتصادي العميق قبل أن تفكر في التراجع، وربما تقرر في النهاية أن الانتظار أكثر أماناً.
وهذا ما يجعل المواطن أقل اهتماماً بسعر الدولار من اهتمامه بسعر سلة غذائه. فالقوة الحقيقية للعملة لا تقاس بعدد الليرات التي يساويها الدولار على الورق، بل بعدد السلع التي تستطيع تلك الليرات شراءها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يرتفع سعر الصرف أو ينخفض خلال أيام، فذلك يحدث في كثير من الأسواق. المشكلة هي أن تتحول التقلبات المؤقتة إلى مادة للاحتفال أو القلق، بينما تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة: هل زاد الإنتاج؟ هل تحسن الميزان التجاري؟ هل أصبحت تدفقات النقد الأجنبي أكثر استقراراً؟ عندما تكون الإجابة نعم، عندها فقط يمكن القول إن الليرة تتحسن فعلاً، لا أن الأرقام قررت، لأسباب فنية عابرة، أن تمنحنا استراحة قصيرة.
#سفيربرس _ د. عدي سلطان
إعلامي وباحث في الاقتصاد


