مهاتير محم : مئة و واحد عام من صناعة الأثر. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت

بعض الأعمار تُعدُّ بالسنوات، وبعضها يُقاس بما يتركه الإنسان في حياة الناس من أثر. وهناك رجال لا يمرون في التاريخ مروراً عادياً أو كما يقال: مرور العابرين، بل يتحولون إلى علامات مضيئة، وإلى محطات تتوقف عندها الأجيال لتتأمل كيف استطاع الإنسان أن يجعل من عمره رسالة، ومن أيامه مشروعاً، ومن وجوده إضافةً إلى وطنه والإنسانية.
وفي العاشر من يوليو 2026، بلغ الدكتور مهاتير محمد عامه الحادي بعد المئة. ومئة وواحد عام ليست رقماً عادياً، بل قرنٌ كامل من التجربة والعمل والتحديات والإنجازات. والأكثر إدهاشاً أن الرجل ما زال حاضر الذهن، متابعاً لما يدور حوله، يستقبل التهاني، ويرد على المباركات، ويقود سيارته بنفسه، وكأن الحياة ما زالت تفتح له أبوابها، وما زال يجد فيها ما يستحق أن يُعاش من أجله.
حين نتأمل مسيرة مهاتير محمد، ندرك أن العمر المديد لا يصبح استثناءً بسبب طوله فحسب، بل لأنه تحوّل إلى رحلة متصلة من العطاء وصناعة الأثر. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول تقلد المناصب، بل صاحب رؤية آمن بأن الأمم لا تنهض بالأحلام والأماني وحدها، وإنما بالعلم والعمل والانضباط وبناء الإنسان.
في ماليزيا، ارتبط اسمه بحكاية وطن قرر أن ينهض، فأسهم في صياغة تجربة تنموية ألهمت كثيراً من الدول، ورسخ قناعة بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الشعوب التي تؤمن بقدراتها تستطيع أن تنتقل من ضيق الإمكانات إلى رحابة الإنجازات.
وفي آسيا، أصبح رمزاً من رموز النهضة الحديثة، وصوتًا يدعو إلى الثقة بالنفس، وإلى بناء نماذج تنموية تستلهم خصوصية المجتمعات، وتستفيد في الوقت نفسه من معارف العصر وخبراته.
أما في العالم، فقد بقي اسم مهاتير محمد حاضرًا بوصفه قائداً تجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليصبح نموذجًا للإنسان الذي لا يتقاعد عن التفكير، ولا يعتزل الاهتمام بالشأن العام، ولا يتوقف عن الإيمان بقدرة الأفكار على تغيير الواقع.
وربما لا تكمن العبرة الكبرى في أن رجلًا بلغ مئة وواحد عام، بل في أنه استطاع أن يملأ هذه الأعوام بالعمل، وأن يحول الزمن إلى إنجاز، والتجربة إلى حكمة، والعمر إلى أثر باقٍ.
إن سيرة مهاتير محمد تذكرنا بأن بركة العمر ليست في عدد السنين، وإنما في قيمة ما يُنجز خلالها. وقد يهب الله بعض الناس أعماراً مديدة، فتكون تلك السنين صفحات بيضاء لا تكاد تُذكر، ويهب آخرين أعماراً تتحول إلى جسور تعبر عليها الأجيال نحو مستقبل أفضل.
وفي عامه الحادي بعد المئة، لا يبدو مهاتير محمد مجرد رجل يحتفل بطول العمر، بل يبدو وكأنه رسالة صامتة تقول لنا جميعًا: ليس المهم كم سنة عشت، بل ماذا صنعت في سنواتك، وما الذي سيبقى منك عندما تصبح أنت جزءًا من ذاكرة التاريخ.
فالأعمار مهما طالت تنتهي، لكن الآثار الجميلة تبقى، والأفكار النبيلة تستمر، والأعمال التي تخدم الإنسان والوطن تظل شاهدة على أصحابها بعد رحيلهم.
وهكذا يظل مهاتير محمد مثالًا لإنسان لم يكتفِ بأن يعيش زمناً طويلًا، بل حرص على أن يجعل من هذا الزمن قصة عطاء، وسيرة إنجاز، واسماً كُتب بأحرف من نور في صفحات التاريخ الحديث.
#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي _ الكويت



