كتب د. عدي سلطان : مضيق هرمز مغلق حتى إشعار آخر.. والاقتصاد العالمي يترنح
#سفيربرس

في أقل من 24 ساعة، أعلن الحرس الثوري الإيراني – رداً على الانتهاكات المتكررة لبنود مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو الماضي، وفي أعقاب هجوم إيراني على سفينة GFS Galaxy القبرصية – إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى إشعار آخر، بعد إطلاق طلقة تحذيرية على سفينة تجاهلت المسار المعتمد وتوقفت إثرها، وفقاً للبيان الرسمي المنشور عبر وسائل إعلام الدولة الإيرانية وتقارير شينخوا ورويترز التي صدرت صباح اليوم. يأتي هذا الإعلان وسط مهلة كانت واشنطن قد حددتها لتأكيد فتح المضيق، ويأتي بعد أن نفذت الولايات المتحدة ضربات جديدة (الجولة الثالثة هذا الأسبوع) على إيران يوم السبت رداً على الهجوم، كما أن سلطنة عمان تتوسط حالياً بين الجانبين لإيجاد آلية آمنة لعبور السفن، وفقاً للبيانات الرسمية من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) والصحف الدولية.
هذا الإعلان يأتي في لحظة يتوقع فيها الاقتصاد العالمي أن يستقر بعد انخفاض أسعار النفط، لكنه يواجه صدمة جديدة تهدد بإعادة التضخم إلى المنطقة ورفع تكاليف الطاقة بنسب محدودة حسب التقديرات الحالية للمؤسسات الدولية. يعكس هذا التطور توتراً مستمراً في الشرق الأوسط، حيث أدى إغلاق هرمز جزئياً سابقاً إلى تحديات في سلاسل التوريد العالمية.
بدأت التداعيات الاقتصادية على الشرق الأوسط فوراً، إذ ارتفع سعر خام برنت إلى 76.01 دولاراً للبرميل في 10 يوليو الماضي، مع انخفاض يومي بنسبة 0.38%، وارتفاعه بـ8.03% مقارنة بمستوياته في السنة الماضية، وفقاً لبيانات Trading Economics. سجل خام غرب تكساس الوسيط تقلبات مشابهة مع انخفاضات بنسبة تصل إلى 2% في بعض الجلسات، مما يرتبط بالمخاوف الجزئية من تأخير إعادة فتح هرمز، الذي يمر منه نحو 20 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات، أي نحو 25% من التجارة البحرية العالمية للنفط. هذا القفز أدى إلى تقلبات في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسب تصل إلى 35% فوق مستويات ما قبل الحرب حتى منتصف يونيو 2026، حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) في تقرير سوق الغاز الربع الثاني لعام 2026، مع ارتفاع أسعار الغاز الهولندي TTF إلى أعلى مستوياته منذ يناير 2023.
في الخليج، شهدت أسعار النقل البحري ارتفاعات مؤقتة بعد أن انخفضت التدفقات عبر مضيق هرمز إلى متوسط 2.7 مليون برميل يومياً خلال مارس وأبريل ومايو 2026، وفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) في تقرير سوق النفط لشهر مارس 2026، وهو ما يعكس تقديرات غير مؤكدة بالكامل حول التأثيرات على تكاليف الشحن. هذه التأثيرات تؤثر على تكاليف الصادرات النفطية لدول المنطقة التي تعتمد عليها لتمويل احتياطياتها، مع خسائر إنتاجية بلغت 10 ملايين برميل يومياً على الأقل من دول الخليج في مارس 2026، وفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) في تقرير سوق النفط لشهر مارس 2026.
أما على المستوى العالمي، فإن الانهيار يعزز مخاوف تباطؤ النمو في سلاسل التوريد، حيث كانت أسعار النفط قد انخفضت قبل أسابيع إلى مستويات ما قبل النزاع بفضل توقعات عودة الإمدادات الإيرانية. الآن، مع تهديدات محتملة لتوجيه ضربات إضافية، يتوقع بنك غولدمان ساكس أن يبقى سعر برنت في نطاق 75-85 دولاراً خلال الأشهر القادمة، مع تقديرات لمتوسط سنوي حول 75 دولاراً لعام 2027، وفقاً لتقارير بنك غولدمان ساكس الصادرة في يونيو 2026. كذلك، خفض بنك مورغان ستانلي توقعاته لبرنت إلى 75 دولاراً في الربع الثالث من 2026 و70 دولاراً في الربع الرابع من 2027، مع إشارة إلى فائض إمدادات متوقع في العام التالي، كما أفاد بنك مورغان ستانلي في مذكراته عن سوق النفط في يونيو 2026.
في الولايات المتحدة، قد يعزز الارتفاع المبيعات للشركات النفطية، لكنه يضغط على المستهلكين بارتفاع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 2-3% في الشتاء، وهو ما يعكس تأثيراً متبادلاً بين الدول المصدرة والمستوردة. أما على المستوى العالمي، يتداخل هذا الانهيار مع توترات أخرى في أوكرانيا، مما يعزز خطر تباطؤ النمو مع ارتفاع التكاليف الطاقية. تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تتوقع أن يصل التأثير على الدول النامية إلى خسارة محدودة من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب تصل إلى 5-10% بسبب ارتفاع أسعار النقل، لكن العلاقة معقدة وتتأثر بعوامل أخرى مثل الطقس والصرف. في الولايات المتحدة وأوروبا، يهدد ذلك بتأجيل خفض الفائدة الذي كان متوقعاً، مما يطيل أمد التضخم الذي بلغ مستويات حوالية 2-4% قبل أشهر.
للشرق الأوسط تحديداً، يأتي هذا التطور في ظل نزاع استمر 109 أياماً أسفر عن خسائر في البنية التحتية بقيمة عشرات المليارات، مما أدى إلى تدمير موانئ ومصافي تكريرية. الآن، مع إعادة التوتر، تهدد إعادة الإغلاق الكامل بمخاطر إضافية على لبنان وسوريا والعراق، التي تعاني من انهيار عملاتها ونقص الوقود، بينما تواجه الإمارات والبحرين والسعودية مخاطر فقدان إيرادات تصل إلى مئات الملايين الدولارات شهرياً إذا استمر التوتر، وفقاً لتقديرات IEA حول تدفقات هرمز وتقارير صندوق النقد الدولي عن تأثير الحرب على الإنتاج المحلي. هذه التأثيرات تعكس صعوبة التعافي الكامل للأسواق، حيث يتطلب الأمر أسابيع أو أشهراً لعودة الشحن إلى مستوياته الطبيعية بسبب المخلفات والمخاطر البحرية.
في النهاية، يمثل إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز اختباراً لقدرة الاقتصاد على الاستيعاب بعد سنوات من التوترات. إذا استمرت التصعيدات، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تاريخية مثل تلك التي حدثت في 2014، لكن الوضع الحالي يشير إلى استقرار نسبي مع تقديرات متوسطية حول 75-80 دولاراً. إذا نجحت الدبلوماسية، قد تعود الأسواق إلى الاستقرار الذي وصل إليه النفط قبل أسابيع. الآن، في هذه اللحظة الحرجة، يبدو أن الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً آخر يجسد التوتر بين الرغبة في الاستقرار الاقتصادي والواقع الجيوسياسي. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها قصة مستمرة للآلاف الذين يعتمدون على هذه الأسواق لتأمين مستقبلهم، وكل يوم جديد يعيد تشكيل هذه الصورة بطريقة تتطلب مراقبة دقيقة للمؤشرات الرسمية.
12/7/2026
#سفيربرس _ بقلم :د.عدي سلطان
إعلامي وباحث مختص في الاقتصاد والعلاقات الدولية



