سوريا بين الألم والأمل _ بقلم : د. محمود سيد محمد
#سفيربرس _ القاهرة
قبل أن أكتب عن سوريا الحبيبه اقول من قلبي عاشرت هؤلاء القوم منذ بدأ الحرب هناك واتوا إلى مصر عاشوا بيننا كانوا نعم الجوار رأيت منهم الجود والكرم والرجولة والحب لهذا البلد رغم كل ما عانوا كانوا دائما يرسمون ويقولون ماذا سنفعل عندما سنعود لأرض الوطن هذا الأمل وسط هذا الركام اعطاني شحنه ودفعه وشغف تعلمت منهم أن الدنيا مهما أظلمت سيأتي النور حتما فلكم مني كل الحب والاحترام والتقدير.
مخيم عرسال، عند الساعة السادسة من صباح يوم خميس الماضي، اصطف مئتان وثلاثة عشر شخصاً أمام شاحنة خبز بيضاء. كان الأطفال يتزاحمون في المقدمة، يمسكون بأكياس بلاستيكية بالية. مشهد يتكرر يومياً في مئات النقاط السورية، لكنه هذه المرة كان مختلفاً: عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، عادت قبل أسبوعين من لبنان إلى منزلها المدمر في ريف دمشق، كانت تقف في نهاية الطابور. سألت ربها لماذا لم يعودوا إلى بيتهم؟ أجاب: “البيت قائم لكن الألغام تحيط به. الخيمة هنا أأمن.” هذه القصة الصغيرة تختصر المشهد السوري كله: نزوح باتجاه العودة، وخوف يمنع الاستقرار، وأمل يدفع للمخاطرة.
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من النزاع، لم تندمل جروح سوريا. صحيح أن النظام تغير في أواخر 2024، وصحيح أن مئات الآلاف بدأوا يعودون، لكن الأرقام التي توثقها الأمم المتحدة تروي قصة أخرى. أكثر من 16.5 مليون سوري، أي نحو 70% من السكان، لا يزالون بحاجة ماسة لمساعدات. هذا الرقم وحده كافٍ ليفهم القارئ حجم الكارثة. سبعة ملايين منهم نازحون داخلياً، يعيشون في خيام أو غرف غير مكتملة الجدران. وستة ملايين آخرون ما زالوا خارج البلاد، يترقبون أي إشارة أمان ليعودوا.
لكن العودة نفسها ليست نزهة. بين ديسمبر 2024 وأكتوبر 2025، سجّلت الأمم المتحدة عودة نحو 1.9 مليون نازح ولاجئ. وفي المقابل، سُجّل مقتل وإصابة أكثر من 1300 شخص نتيجة انفجار ألغام وذخائر غير منفجرة في الفترة ذاتها. ثلثهم تقريباً أطفال. هذه ليست أرقاماً، هذه أسماء لم تكتب بعد في سجلات الشهداء. طفل يلعب كرة، يصبح جثة. أم تبحث عن حطب، تفقد قدمها. الألغام ليست فقط قاتلة، هي حاجز نفسي يعيق أي محاولة لإعادة بناء الحياة.
في مجال الصحة، الخبر أسوأ. غادر ما بين 50% و70% من الأطباء والممرضين البلاد خلال سنوات الحرب. مستشفى حلب الوطني مثلاً، الذي كان يستقبل 500 مريض يومياً، بات يستقبل 120 فقط، ومعظمهم حالات طارئة لا تحتمل التأجيل. المدارس أيضاً ليست بخير. 2.4 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، وثلث المدارس إما مدمر أو غير صالح للاستخدام. في إدلب، رأيت بعيني مدرسة تدرس فيها 850 طفلاً في ثلاث غرف فقط، تحت خيمة نسيجية. المعلمة هناك تتقاضى راتباً لا يتجاوز 25 دولاراً شهرياً، لكنها تواصل، لأنها تؤمن أن التعليم وحده الكفيل بإنقاذ جيل كامل من الضياع.
اقتصادياً، الكارثة تتضاعف. سلة الغذاء الأساسية ارتفعت بنسبة 6% إلى 7% خلال الأشهر الستة الماضية، بينما الرواتب الرسمية لم تتغير. موظف حكومي براتب 30 دولاراً، كيف يشتري طعاماً لأربعة أفراد يكلف 80 دولاراً؟ الإجابة: مساعدات إنسانية. لكن المفارقة أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 مموّلة بنسبة 25% فقط. أي أن ثلاثة أرباع الاحتياجات غير مغطاة. المنظمات الدولية تفعل ما بوسعها، لكن العجز واضح: نقص تمويل، نقص وصول، نقص أمان.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أنسى وجهاً رأيته في حلب قبل أيام. طفل في الثامنة من عمره، كان يمسك قلماً مكسوراً ويرسم على جدار مهدم. رسم شجرة، شمساً، وبيتاً بسقف أحمر. حين سألته لماذا يرسم على الحائط المهدّم؟ قال: “لأن بيتي الجديد سيكون هنا. أنا أرسمه قبل أن يبنيه أبي.” هذه اللحظة، برأيي، هي جوهر الأمل السوري. ليس أمل السياسيين، ولا أمل المؤتمرات الدولية. هو أمل يومي، صغير، عنيد، يتجدد مع كل شروق شمس رغم كل القنابل التي انفجرت، ورغم كل الألغام التي ما زالت تحت التراب.
لكن الأمل وحده لا يكفي. هناك من يرى في تغيير النظام أواخر 2024 فرصة تاريخية. وأنا أميل إلى هذه النظرة، لكن بتحفظ شديد. التغيير السياسي ضروري، لكنه ليس كافياً. فغياب الأمان، وانتشار السلاح، وضعف المؤسسات، كلها عوامل تهدد أي انتقال سياسي ناجح. التجارب العربية السابقة علمتنا أن التغيير دون بناء دولة قوية يتحول إلى فوضى. وسوريا ليست بحاجة إلى فوضى جديدة، فهي لم تتعافَ بعد من فوضى القديمة.
هنا يبرز دور المجتمع الدولي. لكنه دور متردد، إن لم نقل خائباً. التمويل شحيح، المواقف السياسية متضاربة، والأولويات العالمية انشغلت بحروب أخرى. سوريا اليوم ليست في صدارة الاهتمام الدولي، رغم أن ثلث سكانها لا يجدون قوت يومهم. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قدرت أن 70% من العائدين إلى ديارهم يفتقرون إلى خدمات أساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي. هذه النسبة مرعبة، لأنها تعني أن العودة قد تكون أخطر من البقاء في المخيمات.
لكن هناك بصيصاً حقيقياً. المنظمات الإنسانية تمكنت، رغم نقص التمويل، من تنفيذ حملات تطعيم واسعة طالت 2.8 مليون طفل ضد أمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال. كما وزعت مساعدات شتوية على 850 ألف نازح في مناطق شديدة البرودة، حيث تتدنى الحرارة إلى ما دون الصفر. هذه جهود بطولية، لكنها قطرة في بحر. الاحتياجات أكبر بكثير، والوقت ليس في صالح السوريين.
سؤال أخير يلح عليّ وأنا أنهي هذا المقال: هل سيكون الأمل كافياً؟ الإجابة ليست في أرقامنا، ولا في تحليلاتنا. الإجابة في عيون أولئك الأطفال الذين يرسمون بيوتاً على جدران مهدّمة، وفي خطوات العائدين الذين يخاطرون بحياتهم لاستعادة أرضهم، وفي صبر المعلمين والأطباء رغم كل اليأس. سوريا لم تكن يوماً أرضاً سهلة، ولا أظنها ستكون. لكنها تستحق المحاولة. تستحق أن نبني على أنقاضها وطناً جديداً، ليس مثالياً، بل عادلاً. فهل يسمح العالم بذلك؟ وهل يسمح السوريون لأنفسهم باليأس؟ التاريخ يقول إنهم لا ييأسون، وهذه ربما أملنا الوحيد.
#سفيربرس _بقلم : د. محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية



