ما يبقى منّا.. بقلم : هبة الله دهمان
#سفير برس _ فيينا

لسنا فقط ما نقوله عن أنفسنا، ولا ما حققناه من نجاحات، ولا الصورة التي يعرفنا الآخرون من خلالها. نحن أيضاً مجموع الأفعال الصغيرة التي قمنا بها دون أن يلاحظها أحد، والمواقف التي اخترنا فيها أن نكون أكثر لطفاً وإنسانية، رغم أن الخيارات الأخرى كانت متاحة أمامنا.
نحن اليد التي امتدت برفق لمن احتاج العون، والابتسامة التي منحناها لطفل صغير، والكلمة الطيبة التي قلناها لشخص لم نكن نعرف حجم التعب الذي يحمله في داخله. نحن المعروف الذي قدمناه بطيب خاطر، دون انتظار مقابل، والوقت الذي اقتطعناه من يوم مزدحم لنستمع إلى صديق كان بحاجة إلى من يسمعه.
نحن أيضاً الأذى الذي امتنعنا عن إلحاقه بالآخرين رغم قدرتنا عليه، والكلمات القاسية التي كان بإمكاننا قولها لكننا اخترنا الصمت عنها، والتفاصيل التي تغاضينا عن ذكرها حتى لا نضع أحداً في موقف محرج. نحن الأسرار التي حفظناها، والغياب الذي لم نستغله للحديث بسوء عن أصحابه، والخلافات التي لم نسمح لها بأن تسلبنا احترامنا لمن اختلفنا معهم.
في الحياة، لا تحتاج الأخلاق دائماً إلى مواقف عظيمة كي تظهر. أحياناً تتجلى في طريقة تعاملنا مع شخص لا نحتاج منه شيئاً، أو في احترامنا لمن لا يملك سلطة علينا، أو في إنصاف إنسان لا تربطنا به مصلحة. وقد تظهر في اعتذار صادق، أو في قدرتنا على الاعتراف بخطأ ارتكبناه، أو في فرحنا بنجاح الآخرين دون أن نشعر بأن نجاحهم ينتقص من نصيبنا.
ثمة أشياء كثيرة لا تدخل في سيرتنا الذاتية، ولا تُذكر حين يتحدث الناس عن إنجازاتنا، لكنها تقول عنا أكثر مما تقوله الألقاب والشهادات. كم مرة خففنا عن أحدهم دون أن نعرف؟ كم موقفاً مررنا به وتركنا خلفنا أثراً جميلاً؟ وكم مرة اخترنا أن نكون منصفين، حتى عندما لم يكن الإنصاف في مصلحتنا؟
ولعل أجمل ما في هذه الأفعال أنها لا تحتاج إلى جمهور. فالخير الذي نفعله في الخفاء لا تقل قيمته لأنه لم يُرَ، والمساندة التي نقدمها دون إعلان لا تصبح أقل أهمية لأنها لم تحظَ بالشكر. ليست كل الأشياء الثمينة قابلة للقياس، ولا كل الآثار الجميلة يمكن رؤيتها. قد ننسى نحن كلمة قلناها في يوم عابر، بينما يحتفظ بها شخص آخر سنوات طويلة لأنها جاءت في الوقت الذي كان يحتاج إليها فيه.
لكن الطيبة لا تعني أن نكون متاحين للجميع على حساب أنفسنا، ولا أن نتسامح مع كل إساءة أو نتنازل عن حقوقنا كي نحافظ على صورة الإنسان الجيد. نحن كذلك الحدود التي وضعناها باحترام، والمرات التي قلنا فيها «لا» دون أن نتعمد جرح أحد، والمواقف التي اخترنا فيها الابتعاد بدلاً من الرد بالأذى. فالإنسانية لا تتعارض مع الكرامة، واللطف لا يشترط أن ننسى أنفسنا.
ربما لا نستطيع التحكم بكل ما يحدث لنا، ولا اختيار الأشخاص الذين نصادفهم أو الظروف التي تضعنا أمام اختبارات صعبة، لكننا نملك في كثير من الأحيان حرية تحديد الطريقة التي نتصرف بها. وهنا تحديداً تتشكل حقيقتنا؛ في المسافة الصغيرة بين ما نستطيع فعله وما نختار أن نفعله.
لسنا أشخاصاً مثاليين، ولا تخلو حياتنا من الأخطاء والتصرفات التي نتمنى لو أننا تعاملنا معها بشكل مختلف.
في النهاية، قد تتغير ملامحنا وأعمالنا وأماكننا، وقد نفقد أشياء اعتقدنا يوماً أنها جزء أساسي من هويتنا، لكن يبقى في سيرتنا ما صنعناه بأيدينا وقلوبنا وضمائرنا. ما منحناه للآخرين، وما امتنعنا عن أخذه منهم، وما اخترنا فعله حين كانت أمامنا حرية الاختيار.
فنحن، قبل كل شيء، الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين، والطريقة التي نختار بها أن نكون بشراً.
#سفير برس _ بقلم : هبة الله دهمان _ فيينا



