الشاعر أحمد الحناوي لسفيربرس : هكذا أرسم أشعاري” البحث عن عدالة الداخل
#سفيربرس - سعاد زاهر

يقدّم الشاعر أحمد الحناوي في ديوانه “هكذا أرسم أشعاري” تجربة شعرية تجمع بين ثلاثة محاور أساسية، الحب، دمشق، والعائلة، مع استثمار متقن للصور الشعرية والإيقاع الداخلي للنصوص. الهدف من هذا العمل ليس مجرد عرض المشاعر، بل دراسة العلاقة بين الذات واللغة، وكيف يمكن للقصيدة أن تتحوّل إلى مساحة للتحليل النفسي والاجتماعي تعكس تجربة الشاعر الحياتية والعاطفية.
في الديوان تختزل الصور، وتتنوّع الأوزان الشعرية، وتُعالج المشاعر بأسلوب واضح دون التضحية بالعمق، ما يمكّن القارئ من التفاعل مباشرة مع النص، وفهم الطبقات الدلالية التي تُبنى من خلال الحكي الذاتي، والصور الشعرية، والتكرار المدروس للرموز.
الحب في “هكذا أرسم أشعاري” ليس غامضًا ولا مواربًا، بل إعلان صريح، محاولة لإخراج العاطفة من الظل إلى الضوء، في الجملة الافتتاحية للديوان“أصدقائي هذا قلبي أضعه بين أيديكم”، في تصريح للشاعر حول المباشر بالعاطفة، يقول: لأنني أؤمن أن الشعر، في جوهره الأول، لم يُخلق ليختبئ خلف الأقنعة، بل ليكشفها.
العاطفة حين تكون صادقة لا تحتاج إلى متاهة لغوية كي تثبت حضورها، ولا إلى غموض متكلّف كي تبدو عميقة، ما يلامس القلب بصدق يصل إلى القلب بصدق، وهذه هي الحكمة القديمة التي ما زلت أومن بها رغم كل ما تبدّل في أشكال الكتابة وأساليبها، أنا لا أكتب العاطفة بوصفها انفعالًا عابرًا، بل أكتبها باعتبارها جوهر التجربة الإنسانية نفسها.
كما تناول العلاقة بين الشعر والوظيفة المهنية قائلاً: هناك يصبح الصمت جزءًا من البلاغة، ويغدو الإخفاء أحيانًا حمايةً للحق لا خيانةً له… أما الشعر، فهو الوجه الآخر للحقيقة، ليس حقيقة الوقائع، بل حقيقة الإنسان، في عملي كمحامي أدافع عن الناس من ظلم العالم، وهنا أدافع عن قلبي من ظلم الصمت… فالمحكمة تبحث عن عدالة الخارج، بينما الشعر يبحث عن عدالة الداخل.
الصور الشعرية وتكرار الرموز
حول تكرار الصور الشعرية في ديوانه، يوضح الحناوي، كل شاعر بعد زمن من المران والاحتراق، له مفرداته التي تشبه بصمته، من هنا لا أرى حضور القمر، والعسل، والنحل، والرموش، والعيون التي تلمع كالسيف، مجرد تكرارٍ آلي، بل أراه محاولة واعية لتأسيس ما يمكن أن أسمّيه، معجمي العاطفي الخاص، القمر مثلًا لا يكون القمر نفسه في كل قصيدة، مرةً هو وجه الحبيبة، ومرةً هو البعد، ومرةً هو برودة الغياب.
وبالنسبة للنضج الذي يطرحه الحناوي في قصائد الأب والأم مقارنة بالحب، يقول: قصائد الحب غالبًا تلتقط لحظة الاشتعال، حلاوة اللقاء، ارتباك العين، غياب الحبيبة، فتأتي مشبعة بحرارة اللحظة وانفعالها.
أما القصيدة التي تُكتب في الأب أو الأم، فهي لا تُولد من لحظة، بل من عمرٍ كاملٍ من التراكم، من الطفولة، من التربية، من الخوف الأول، من اليد التي أمسكتنا قبل أن نعرف الطريق، ومن الصوت الذي ظلّ يسكننا حتى بعد أن كبرنا..
وعن النقد، يضيف: حين كتبتُ، لا تتصيدوا أحرفي لتخرج العثرات، بل دعوا عيونكم تقرأ مواضع الجمال في قصائدي، لم يكن في نيتي تبرير ضعف، ولا هروبًا من النقد الموضوعي، بل دعوة لقراءة الشعر كجمالٍ لا كقضيةٍ يُحاكم عليها فقط… الشعر أكثر من كونه نصًا يُقرأ، هو نداء يُستجاب له في لحظةٍ من الوهج، أو يُعاد إليه في لحظةٍ من الوجع.
أما عن فخره بالديوان، فيقول: نعم، أشعر بالفخر، لكن ليس بالفخر الذي يُختزل في الغرور، بل بفخر الشاعر الذي وضع جزءًا من روحه على الورق، وأخرج ما كان يختبئ في داخله سنوات، كل قصيدة فيه هي بطاقة صغيرة من روحي، وكل كلمة فيها محاولة لتوثيق تجربة إنسانية قبل أن تكون تجربة شاعر، ولكن، في الوقت نفسه، لا أنظر إليه كإيقاف عند هذا الحد، بل كبطاقة عبور إلى ما هو أعمق وأوسع…
الشاعر الحناوي في ديوانه الأحدث ” هكذا أرسم أشعاري” تبدو تجربته تجمع بين الصراحة العاطفية، عشق المدينة، والحنين العائلي، مع وعي بالبعد الإنساني والشعوري للنص، كل قصيدة في الديوان تمثل بطاقة صغيرة من روح الشاعر، ما يجعل النص مساحة للتواصل الشعوري والفكري، وجسرًا بين الذات والآخر، والماضي والحاضر.
دمشق…الحبيبة الكبرى والوطن
دمشق في الديوان ليست مجرد مكان، بل تتحول إلى شخصية حية تمثل نبض الشاعر ووعيه الوطني:
دمشقُ الشَّامِ ياوطني حمالكِ اللهُ ياشامي
شآم نبض أيّامي وأشعاري وإلهامي
وفي قصيدة “صباح دمشقي”، يوضح الحناوي تعلقه العاطفي بالمدينة:
أنا الدمشقيُّ كلُّ الكون يعرفني
وتتجاوز العلاقة بين الشاعر ودمشق حدود المكان لتصبح حالة شعورية متكاملة، تعكس تعلقه بالهوية والزمن والتاريخ الذي مرّت به المدينة.
في المقابل، تجمع قصيدة “يوم التحرير” بين النبرة القتالية والإيقاع الشعاراتي، مع تحقيق توازن بين الروح الوطنية والإيقاع الشعري دون الانزلاق إلى خطاب مباشر جاهز.
نضج الصوت وعمق الوجدان
العائلة تمثل محورًا رئيسيًا في الديوان، حيث تعكس قصائد الوالدين ذروة النضج الشعوري للشاعر، في قصيدة أبي: كنتَ الوحيد الذي يمشي على العصب.
تعكس الصورة تمازج العاطفة مع القيم الأخلاقية والفكرية، حيث يظهر الأب كرمز للعدالة والصرامة والقدوة، مع مراعاة البعد النفسي والوجداني.
أما قصيدة إلى وردتي الجورية أمي: من ذا في نومي يدثرني؟
فتمثل الحنين العائلي بدقة عالية، إذ تصبح الأم رمزًا للدفء والطمأنينة، ومنبع اللغة والحياة، ما يمنح النص صدقًا خاصًا نابعًا من تراكم الخبرة الشعورية والحياتية.
يتجلى تميز الحناوي في الصدق العاطفي، والجرأة في المباشرة، مع تنوع الأوزان الشعرية بين الطويل، الوافر، الكامل، والمتقارب، وأحيانًا الشعر الحر، ما يخلق تجربة شعورية متكاملة للقارئ.
في قصيدة “أحبك وهذا يكفي”، يكتب الحناوي: وقبلُ كنتُ أكتمها وهاكم اقرؤوا كفي.
يحوّل الشاعر اليد إلى نص يُقرأ، ويصبح الجسد نفسه وسيلة للتعبير، مقتربًا من التصوف الشعري بحساسية معاصرة تمنح النص نبضًا مباشرًا يتجاوز المجاز التقليدي.
وفي الوقت نفسه، تُعيد الصور المتكررة صياغة المفردات القديمة بصدق متجدد، لتقدّم تجربة عاطفية متجددة وليست مجرد رموز جاهزة.
#سفيربرس – سعاد زاهر




