الذاكرة السورية بين التوثيق والنسيان: كيف يحكي السوريون حربهم؟. بقلم بقلم :محمود سيد محمد
#سفيربرس _القاهرة
في أحد أيام ربيع 2013، كنت جالساً أمام شاشتي في بلدي على ضفاف النيل ، أتابع المشهد السوري كما يتابعه الملايين. لكن شيئاً ما كان مختلفاً في داخلي. لست سورياً، لم أزر حلب، ولم أمش في أسواق دمشق، لكني كنت أبحث عن وجهٍ أعرفه بين الوجوه، عن حجرٍ يذكرني بحكاية، عن شيءٍ يربطني بهذا البلد الذي بات يُذكّرنا كل يوم بقسوة التاريخ.
ومع مرور السنوات، لم أعد أبحث عن الأخبار فقط. بدأت أبحث عن الذاكرة. تساءلت: كيف يحكي السوريون حربهم؟ هل هم سجانون لها في أدراج النسيان، أم أنهم يكتبونها بحروف من نور كي تبقى؟
وانا هنا عندما أقول السورية على ليست هذه تفرقه فأنا اعتبرهم اخوتي واهلي .لكن
ما وجدته كان مذهلاً بكل معنى الكلمة. وجدت أن السوريين، ومنذ اليوم الأول للثورة، صاروا مؤرخين لأنفسهم. لم ينتظروا أحداً ليكتب تاريخهم. كانوا يصورون، يسجّلون، يكتبون، يحفظون. وكأن غريزة البقاء قالت لهم: “سجّلوا، كي لا تموتوا مرتين”.
مشروع الذاكرة السورية… أكثر من مجرد أرقام
ربما سمعتم عن “الذاكرة السورية”، المشروع الذي أطلقه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حين قرأت عنه لأول مرة، شعرت بشيء يشبه الأمل. تخيّل: خمس سنوات من العمل، وقفوا فيها أمام شاشات الكمبيوتر، ينظرون إلى آلاف الساعات من الفيديوهات، يقرؤون وثائق، يستمعون إلى شهادات. لم يكن عملاً تقنياً بحتاً، كان أشبه بإنقاذ روح.
جمعوا ما يقارب 900 ألف مقطع فيديو، لكن الرقم الحقيقي للتمحيص كان أكثر من مليونين. نعم، مليونان. تخيل معي كمية الألم التي شاهدوها، وكم مرة بكوا في صمت أمام الشاشات.
وصلوا إلى 50 ألف وثيقة نادرة، و11300 إصدار لدوريات كانت تولد مع الثورة وتموت مع تحولاتها. بعض هذه الدوريات لم تصدر سوى عدد واحد، لكنها كانت كافية لتدخل التاريخ.
لكن الرقم الذي أوقفني حقاً، وجعلني أفكر طويلاً، هو تسجيل أكثر من 2500 ساعة من الشهادات الحية. وجوه سورية، من كل المحافظات، من حلب إلى درعا، ومن إدلب إلى الحسكة. كل واحد حكى قصته بلسانه، بدمعه، بضحكته المريرة. غطوا حوالي 50% من المناطق التي شهدت أحداثاً. نصف سوريا حكت، وكأنها تركت رسالة لمن سيأتي بعدها.
زار المنصة أكثر من مليون ونصف مليون مستخدم، وظهرت في نتائج البحث أكثر من 30 مليون مرة. هذا ليس فضولاً، هذا جوع. جوع للحقيقة، جوع للهوية، جوع لمعرفة “من نحن” في زمن ضاع فيه كل شيء.
لكن ماذا عن الحجارة؟
الحرب لم تكتفِ بالذاكرة الرقمية، بل طالت الذاكرة الحجرية أيضاً. حين سمعت أن 290 موقعاً تراثياً تأثر في سوريا، شعرت بقشعريرة. 24 منها دُمّرت بالكامل، و104 أصيبت بأضرار بالغة.
وفي حلب وحدها، تلك المدينة التي كانت تاج الشمال، تضرر 518 مبنى تراثياً، واختفت من الوجود 56 مبنى تماماً. المتحف الوطني في حلب تعرّض لنهب منظم في 2013، وكأن أحداً أراد أن يسرق من السوريين ذاكرتهم قبل أرضهم.
أليس غريباً؟ أن تهدم البيوت وتسرق الحجارة، وكأنك تحارب ذكرى أمة بأكملها؟
ماذا عن الأطفال؟
وهنا يأتي الجزء الأكثر ألماً. حين تعددت المناهج التعليمية بحسب مناطق السيطرة، صار الطفل السوري يقرأ تاريخاً يختلف عن تاريخ جاره الذي لا يبعد عنه سوى بضعة كيلومترات. في المخيمات، وفي المدن المحاصرة، كبر أطفال لا يعرفون عن وطنهم سوى أنه كان يوماً ما، أو ربما لا يزال.
لست سورياً، لكنهم مني وانا منهم، وأشعر بالخوف نفسه على أطفالهم. كيف تبني هوية لطفل عاش على صوت القذائف؟ كيف تعلّمه أن سوريا كانت جميلة، وهو لم يرَ فيها إلا الخراب؟
السؤال الذي يلحّ عليّ
وأنا أكتب هذه الكلمات، أتساءل: هل التوثيق وحده كافٍ؟ أم أن الذاكرة بحاجة إلى شيء آخر، إلى روح، إلى سرد، إلى طريقة نحكي بها الألم دون أن نُصاب بالشلل؟
الذاكرة السورية ليست أرشيفاً بارداً. الذاكرة هي وجه الجدة حين تروي حكاية، هي أغنية فيروز التي كانت تُسمع خلسة، هي رائحة الياسمين في دمشق، وطعم الكبة في حلب. الأرشفة تعطينا المادة الخام، لكن السرد هو الذي يمنحها الحياة.
اليوم، وبعد الثامن من كانون الأول 2024، بدأت “الذاكرة السورية” تواكب المرحلة الجديدة، وتوثّق التحولات السياسية والأمنية. وكأنها تقول: “نحن هنا، نكتب تاريخنا بأنفسنا، لا ننتظر من يكتبه لنا”.
وأخيراً…
لست سورياً، ولن أدّعي أني أعرف وجعهم. لكني كإنسان، وككاتب، أرى في مشروعهم التوثيقي شيئاً عظيماً. ليس لأنه ينقذ الذاكرة فقط، بل لأنه يعلن أن السوريين لم يموتوا، وأنهم سيظلون يكتبون، يسجّلون، يحكون، حتى يعرف العالم كله أنهم كانوا هنا، وأنهم رغم كل شيء، اختاروا الحياة.
سوريا ليست مجرد أرض، سوريا فكرة، وذاكرة، وإرادة. وهذه الإرادة، كما أراها اليوم، لن تُهزم لا بالقذائف، ولا بالنسيان.
#سفيربرس _بقلم : محمود سيد محمد
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.



