إعلان
إعلان

التغيير يبدأ من الداخل… ثم تصنعه المؤسسات. بقلم : د. عطية العلي

#سفيربرس _الكويت

إعلان

بعد سنوات طويلة عاشتها سورية في ظل نظام ترك آثاره على مؤسسات الدولة وطريقة العمل والتعامل فيها، تدخل البلاد اليوم مرحلة جديدة تفتح الباب أمام إصلاح مؤسساتها واستعادة دورها في خدمة الناس، لكن آثار الماضي لا تختفي بمجرد تغير النظام أو تبدل السياسات؛ فبعض الممارسات التي ترسخت مع الوقت لا تزول سريعاً، لأنها لم تعد مجرد سلوكيات مؤقتة، وإنما تحولت إلى أنماط اعتادها الناس في العمل والتعامل.

وقد نرى موظفاً لا يزال ينظر إلى وظيفته باعتبارها امتيازاً شخصياً، لا مسؤولية وأمانة، أو مسؤولاً يتجاوز الأنظمة لمصلحة خاصة، أو سلوكيات مثل الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ والتهاون في المال العام، وقد أصبحت عند البعض أمراً عادياً.

وقد تبدو هذه المشاهد مؤلمة، لكنها تضعنا أمام حقيقة مهمة: الإصلاح الإداري في سورية لا يبدأ من اللوائح والقوانين وحدها، وإنما يبدأ من الإنسان الذي يطبقها، ومن الثقافة التي تحكم سلوكه، ومن البيئة التي يعمل داخلها.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
هذه الآية تضع أيدينا على أصل مهم في أي مشروع للإصلاح؛ فالإنسان يحتاج أولاً إلى أن يغيّر نظرته إلى المسؤولية. أن يعرف الموظف أن وظيفته أمانة، وأن خدمة الناس جزء من واجبه، وأن المال العام أمانة يجب أن يصونها، وأن النظام ليس عائقاً أمامه، وإنما وسيلة لحماية حقوق الناس وتنظيم شؤونهم.

لكن تغيير الإنسان وحده لا يكفي؛ فالمؤسسة لها دورها أيضاً في صناعة السلوك، من خلال بيئة عمل واضحة وعادلة، تساعد الموظف على الالتزام، وتشجعه على التطور وتحمل المسؤولية. ولذلك ينبغي أن تكون أنظمتها واضحة، ومعاييرها عادلة، وصلاحياتها محددة، وأن تهتم بتطوير العاملين فيها، لا سيما في أخلاقيات العمل والسلوك الوظيفي والنزاهة وحسن التعامل مع الجمهور.

فالإنسان قد يعرف الصواب، لكنه يحتاج إلى بيئة تعينه على الالتزام به، وقد يعرف الخطأ، لكنه يحتاج إلى نظام واضح يوقفه عند حده. ومن هنا تأتي الرقابة، لا بوصفها وسيلة لتصيد الأخطاء، وإنما باعتبارها جزءاً من الإصلاح.

والرقابة ليست إجراءً يُتخذ عند الحاجة فقط؛ لأن السلوك يحتاج إلى متابعة مستمرة، والمؤسسات التي تتوقف عن المراجعة والتقييم قد تجد نفسها أمام الأخطاء نفسها مرة أخرى.

وكذلك الحال في مكافحة الفساد؛ فالعقوبة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. البداية الحقيقية هي الوقاية، بأن يعرف الموظف منذ اليوم الأول حدود صلاحياته، وحقوقه وواجباته، وأن يدرك أن استغلال السلطة أو المال العام تجاوز لا يمكن التساهل معه.

والوقاية لا تبدأ داخل المؤسسة فقط، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات التدريب. فبناء ثقافة النزاهة والمسؤولية لا يكون باللوائح والتعليمات وحدها، وإنما يبدأ بترسيخ قيم الأمانة واحترام النظام، ورفض الرشوة واستغلال النفوذ، وتعزيز القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح عندما يكون الطريق الآخر أسهل، فالوقاية المبكرة أقل كلفة من علاج المشكلة بعد أن تصبح عادة.

ومن خلال أكثر من خمسة وعشرين عاماً في مجال الإدارة والتدريب وتطوير الذات، ازددت قناعة بأن كثيراً من المشكلات الإدارية والسلوكية يمكن الحد منها إذا استثمرنا في الإنسان استثماراً حقيقياً، وربطنا الوظيفة بالمسؤولية، والأداء بالقيم، والسلطة بالخدمة.

فالتدريب، في هذه المرحلة، ليس مجرد وسيلة لتطوير المهارات، وإنما جزء من عملية الإصلاح نفسها؛ فكلما استثمرت المؤسسة في الإنسان، انعكس ذلك على أدائها، وطريقة عملها، وقدرتها على تحقيق أهدافها.

نحن أمام مرحلة لا يكفي فيها أن نتحدث عن التغيير، بل نحتاج إلى أن نراه في طريقة العمل والتعامل واتخاذ القرار. وهذا التغيير لا يصنعه قرار واحد، ولا مسؤول واحد، وإنما يبدأ من كل موقع توجد فيه مسؤولية؛ فالمسؤول يراجع طريقة إدارته، والموظف يراجع طريقة أدائه، والمؤسسة تراجع أنظمتها وبيئة العمل فيها، حتى يصبح الإصلاح ممارسة يومية، لا مجرد شعار نردده كلما تحدثنا عن التغيير.

وقد لا نستطيع أن نغيّر كل شيء في وقت واحد، لكننا نستطيع أن نبدأ من المكان الذي نقف فيه، ومن المسؤولية التي بين أيدينا.
فالتغيير يبدأ من الداخل… ثم تصنعه المؤسسات.

#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي _الكويت 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *