سورية التي نريد أن نفرح بها.. بقلم : د. عطية العلي

#سفيربرس _ الكويت

إعلان

من حق سورية أن تفرح، ومن حق أهلها بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة أن يبحثوا عن لحظة جميلة، وعن مساحة للحياة تعيد إلى النفوس شيئاً مما أخذته منها سنوات الحرب. ومن حق الثقافة والفن والأدب والمسرح والترفيه أن تعود إلى مكانها الطبيعي في حياة الناس؛ فالأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما تُبنى أيضًا بالإنسان، بفكره وذوقه وذاكرته وقدرته على أن يحلم.

لكن، ونحن نرى سورية تدخل مرحلة جديدة، ربما يكون من المفيد أن نتوقف قليلًا أمام سؤال لا يحمل رفضًا ولا اعتراضًا على أحد:
ماذا يحتاج السوري اليوم أكثر؟

فالمراحل الانتقالية لها ظروفها وأولوياتها، وليس معنى ذلك أن نؤجل الحياة حتى تنتهي كل مشكلاتنا؛ فهذا غير ممكن، ولا نريده أصلاً. نحن نريد الحياة أن تعود، ونريد الفرح أن يدخل البيوت، ونريد المدن أن تستعيد حركتها، لكننا نريد في الوقت نفسه أن نكون قريبين من تفاصيل حياة الناس، من الأشياء التي قد تبدو بسيطة لمن ينظر إليها من بعيد، لكنها بالنسبة لأصحابها هي الحياة نفسها.

اليوم، ومع ارتفاع أسعار المحروقات وما يرافق ذلك من أعباء على النقل والأسواق، يصبح الحديث عن أولويات الناس أكثر أهمية. فتعرفة النقل ترتفع، وأسعار السلع تتأثر، والأسرة تجد نفسها أمام مصروفات جديدة وهي أصلًا تعاني من ضيق الحال. وهناك من لا يملك حتى ثمن ربطة الخبز.

فهل يمكن أن نتجاهل كل ذلك ونحن نتحدث عن المرحلة الجديدة؟

فالناس اليوم لا ينتظرون الكثير؛ يريدون كهرباء أفضل، ومحروقات بأسعار معقولة، ونقلاً لا يرهق دخلهم، وخبزاً في متناول أيديهم، وبيتاً يأويهم، وعملاً يفتح لهم باب المستقبل، ومدرسة يجد فيها أبناؤهم ما يحتاجون إليه. قد تبدو هذه الأمور بسيطة، لكنها بالنسبة للناس ليست بسيطة أبداً؛ إنها تفاصيل الحياة التي يريدون أن يشعروا بتحسنها قبل أن يسمعوا عنه.

وهنا لا نقول إن الفرح غير مهم، ولا إن الثقافة والفن والترفيه يمكن أن تنتظر حتى تنتهي كل المشكلات. الحياة لا تسير بهذه الطريقة، والإنسان يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الخبز والأمان والعمل،لكن لكل مرحلة أولوياتها.

فالأسرة التي تبحث عن قوت يومها، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والأب الذي يقلقه إيجار البيت، والطفل الذي يذهب إلى مدرسة تفتقر إلى بعض احتياجاتها الأساسية، كل هؤلاء يحتاجون إلى أن يشعروا أولاً بأن حياتهم أصبحت أيسر، وأن القادم يحمل لهم أملاً حقيقياً.

هذه هي البداية التي نريدها؛ أن يشعر المواطن أن التغيير وصل إلى حياته، لا أن يسمع عنه فقط.

ومن الجميل أن تعود المسارح، وأن تقام الفعاليات الثقافية، وأن يجد الناس مساحة للترفيه والفرح بعد سنوات مؤلمة ومتعبة. بل إن سورية تحتاج إلى ذلك؛ لأن الثقافة والفن جزء من روح المجتمع، وهما من الوسائل التي تساعد الإنسان على استعادة توازنه بعد سنوات الألم.

بل نريد أكثر من ذلك؛ نريد لسورية أن تستعيد مكانتها السياحية، وأن يأتي إليها العرب والعالم، ليروا تاريخها وحضارتها وطبيعتها، وليكتشفوا مدنها وأسواقها وآثارها وشواطئها وأنهارها.
لكننا لا نريد سورية نسخة من غيرها.

نريد الزائر حين يأتي إليها أن يجد دمشق القديمة وحاراتها وأسواقها، وحلب بذاكرتها العريقة، وحمص وريفها، ودير الزور والفرات، والساحل وجباله وبحره، ومدن سورية وقراها وحكايات أهلها. نريد أن يرى بلداً له شخصيته وتميزه، لا صورة مصطنعة يمكن أن يجدها في أي مكان آخر.

نريد أن يأتي السائح إلى سورية من أجل المكان، نعم، لكنه يبقى من أجل الروح السورية.

وهذه الروح لا تكتمل إلا حين يشعر السوري نفسه بالراحة والأمان والاستقرار. حين يجد الشاب عملاً، والأسرة مسكناً، والطفل مدرسة جيدة، والمواطن خدمة يستطيع تحمل كلفتها. عندها يصبح الفرح جزءاً طبيعياً من الحياة، وتصبح الثقافة والفنون والسياحة جزءاً من نهضة حقيقية.

لذلك لسنا أمام خيار بين البناء والفرح، ولا بين حاجات الناس والثقافة والفن.
نحن نريد الاثنين معاً، لكننا نريد أن نعرف من أين نبدأ.
نريد أن نبني ما يجعل الناس قادرين على الفرح.

فحين تتحسن حياة الناس، يصبح للمسرح جمهوره، وللسياحة مكانها، وللفن أثره، وللثقافة حضورها، ويصبح الفرح أعمق من مجرد مناسبة تنتهي بانتهاء يومها.

سورية التي نريدها ليست بلداً يبحث فقط عن استعادة ما فقده، وإنما بلد يريد أن يصنع مستقبلاً أجمل. بلد يجد فيه المواطن مكاناً مناسباً للحياة، ويجد فيه الفنان مساحة للإبداع، والكاتب مجالاً للكلمة، والشاب فرصة للمستقبل، والزائر تجربة لا ينساها.

نريد سورية أن تفرح، وأن تتنفس، وأن تبدع، وأن تستقبل أبناءها الذين فرقتهم السنوات، وأن تستقبل العرب والعالم في مدنها وشواطئها وآثارها وأسواقها.
لكننا نريد أن يبدأ هذا الفرح من حياة السوري نفسه.

تلك هي سورية التي نريد أن نفرح بها؛ سورية التي تحفظ ذاكرتها ولا تعيش أسيرة لها، وتبني حاضرها وهي تنظر إلى المستقبل، وتفتح أبوابها للعالم، وفي الوقت نفسه تفتح أبواب الأمل لأبنائها.

فسورية التي نريد أن نفرح بها، هي سورية التي يستطيع أهلها أن يعيشوا حياةً كريمة، ثم يفرحوا… ويفرح العالم بأسره معهم.

#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي _الكويت 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى