أين اللاءات.. بقلم : د. سناء شامي

#سفيربرس _روما

إعلان

لقد ولىّ زمن اللاءات و زمن المواقف و وصلنا إلى زمن تبحث فيه الشعوب العربية عن لا فلا تجدها، و عن نعم لا تسعفها… تعود بي الذاكرة عمّا قرأته عن مؤتمر اللاءات الثلاث، و المقصود به مؤتمر القمة العربية الرابع، و الذي كان إنعقاده في 19 آب/أغسطس في عام 1967في العاصمة السودانية الخرطوم، أي مؤتمر ما بعد نكسة حزيران/يونيو

لماذا تذكرته؟ و لماذا سُمّي بمؤتمر اللاءات الثلاث؟
تذكرته، لأنها حضرته جميع الدول العربية، بينما غابت سورية عن حضوره.
و إسمه مؤتمر اللاءات الثلاث، لأن القرارات التي أصدرها القادة العرب في ذلك المؤتمر كانت منحصره بثلاث قرارات تبدأ بأداة النفي لا:
لا صلح مع إسرائيل، لا إعتراف بإسرائيل، لا تفاوض مع إسرائيل.
و كان هدف الموتمر هذا، تمسك الدول العربية بروابطهم الوطنية و بعدم التنازل عن أراضيهم في سيناء و الجولان و الضفة الغربية، و التمسك بالدفاع عن حقوق فلسطين.
في الحقيقة، جميع هذه المتطلبات كانت أيضاً ما تريده سوريا،  إلا أنها لم تحضر لأنها كانت تريد منهجاً عسكرياً فالقيادة السورية آنذاك برئاسة حزب البعث و نور الدين الأتاسي كانت قد إتخذت موقفاً محدداً رافضةً الجلوس أو التعامل مع ما كانت تصفه بالأنظمة العربية “الرجعية”، إذ إعتبرت القيادة السورية أن تلك الأنظمة تتحمل جزءاً من المسؤولية في هزيمة حزيران أمام إسرائيل، كما لا تمثل الخط الثوري المقاوم، ورفضت المشاركة في مؤتمرات تجمعها معها، و بأن الإجتماعات التقليدية لن تعيد الأراضي المحتلة و لا مرتفعات الجولان، مفضلةً النهج العسكري الثوري على التسويات السياسية العربية المشتركة… و  بسبب موقف سوريا المختلف من العدو و عدم قناعتها بالحلول الدبلوماسية، و إختلاف موقفها حينها عن مواقف الدول العربية، تمّ حرمانها من الدعم المالي الذي كان قد تمّ إقراره في تلك القمة لصالح مصر والأردن كدول متضررة من حرب حزيران/يونيو 1967.
لقد ولىّ زمن اللاءات، و حتى لم يعد هناك زمن للنعم، لا مكان للرفض أو القبول… هناك فقط زمن التسلط و الإحتيال و الإستغلال و الإستيطان و تزوير التاريخ و الحقائق… و لىّ زمن اللاءات و بقي الأخطبوط يمدّ أذرعه هنا و هناك، ليحوّل كل شبر من الأرض إلى فلسطين: أي شبر يريد الأخطبوط أن يلتهمه، يكفي أن يحتوي هذا الشبر على كنيست قديم، أو بيوتاً عليها نجمة سداسية، حتى يتحول الأثر إلى مبرر، و المبرر إلى حق مزعوم بإمتلاك الشبر و ما حوله، بالضبط كما فعل الأخطبوط في فلسطين.
يجيد الأخطبوط فن الخداع، و يتقن مدّ الأذرع، واحداً تلو الآخر، و أذرعه لها جنسيات مختلفة تسمح له بإختراقك، و تمنحه القدرة أن ينتشر بداخلك و يكبر… أذرع الأخطبوط سرطان يكبر بداخلك، فلا تراه، و يلتهمك دون أن تشعر به، و عندما تستفيق و تنتبه لوجودك، يقنعك بأنه لن يحدث لك مكروه إن تركته يكبر، و إن لم تتركه، سيلتهمك، حينها يموت ببطء زمن اللاءات و تمتد أكثر و أكثر أذرع الأخطبوط.
في زمن لم يعد فيه لا أو نعم، و الحدود بين الحق و الصواب صارت كالخيط، و بالتالي فأن كل تهاون سيعمل على نمو أذرع جديدة للأخطبوط… لذلك على الشعوب و الحكومات، أن تُحصّن قوانين الملكيات العقارية، و تضرب بحزم منابع الإحتيال، كي لا تضيع السيادة، ففي فلسطين ما كان يبدو مجرد تفصيل صغير صار تهاوناً و من التهاون بدأت حكاية الأخطبوط و مآساة فلسطين و المنطقة بأسرها.
أذرع الأخطبوط لها ألف شكل و لون، فقد تمتد بإسم الإستثمار، أو السياحة بجواز سفر مختلف الألوان، أو بتمويل لمراكز أبحاث، أو بتشجيع للإعلام و التكنولوجيا، أذرع الأخطبوط قد تبتلعها على شكل دواء، أو تحملها في جيبك على شكل هاتف نقّال، أو تقود مضخاتها التي تسحب من أرضك البترول، أذرع الأخطبوط قد تزرع أرضك، و تطبع كتابك و تمشط لحية شيخ حارتك، و تحيك لباس كاهن كنيستك، و تستثمر في يهودية المغفلين.
حان وقت اليقظة، على الدول و الشعوب و الحكام، العرب منهم خاصة، أن يشدّدوا الرقابة على الأذرع، و أن يقاطعوا رأس الأخطبوط، إلى أن يأتي يوماً لعلهم يصبحون قادرين على قطعه، الوطن ليس عقاراً شاغراً و ليس تفصيلاً في تاريخ الأخطبوط المزور، و الإيمان ليس يهودياً و اليهودية ليست بطاقة  هوية تبني سيادة، و الدين واحد للبشرية أجمعين (إن الدين عند الله الإسلام)، و ما تفرع عنه من أديان أخرى، ما هي إلا ملل، و لا بد من إحترام كل ملّة، لكن لا يمكن لأحد أن يحتكر الدين نفسه أو الملّة ليجعل منهم عقد تملك و سيادة… لا بد أن تفهم الشعوب و الحكومات، قبل إفهام الأخطبوط، بأن الوطن ليس أرضاً للبيع، و الأرض ليست قطعة تراب، بل هي ذاكرة و و رحلة حياة و كفاح و جذور كبرت بالتضحيات حتى صارت وطن و حضارات. أعيدوا اللاءات، كي تمنعوا أذرع الأخطبوط من النمو و الإنتشار.

#سفيربرس _روما _بقلم :د. سناء شامي 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى