نساء مكتبيات (سلسلة وثائقية _ الحلقة السادسة) _ الأستاذة الدكتورة نعيمة حسن جبر
#سفيربرس _بغداد_ _ بقلم أ. د. هدى عباس قنبر
حين تفتح سجلات علم المكتبات والمعلومات في العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، يبرز اسم الأستاذة الدكتورة نعيمة حسن جبر بوصفه أحد الأسماء التأسيسية التي واكبت هذا التخصص في أدق تحولاته: من إدخال الحاسوب إلى قاعات المكتبات، مرورًا بثورة الإنترنت وإدارة المعرفة، ووصولًا إلى أسئلة الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهنة. فهي أكاديمية جمعت بين التدريس الجامعي والبحث العلمي والإشراف على الدراسات العليا والقيادة العلمية في مسيرة امتدت بين العراق وسلطنة عُمان.
النشأة الأكاديمية والدرجات العلمية
حصلت الدكتورة نعيمة حسن جبر على درجة الماجستير في المكتبات والمعلومات من جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1981، ثم أكملت رسالة الدكتوراه بدرجة شرف في التخصص نفسه من جامعة بتسبرغ الأمريكية عام 1983. ونالت لقب الأستاذية (بروفيسور) لاحقًا، وتولت مهامها الأكاديمية في جامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان اعتبارًا من عام 2010، فضلا عن مسيرتها الطويلة في الجامعة المستنصرية بالعراق.
محطات المسيرة المهنية
بدأت اهتماماتها العلمية مبكرًا في مجال أتمتة العمل المكتبي، ومن أوائل أعمالها دراسة بعنوان (استخدام الحاسبات الإلكترونية في إخراج وإنتاج كشافات الدوريات) عام1985، التي تعد من الدراسات الرائدة في توظيف الحاسوب في خدمات المعلومات بالعراق.
شغلت الدكتورة نعيمة منصب رئيسة قسم المكتبات والمعلومات في كلية الآداب بالجامعة المستنصرية، وأسهمت في إعداد وتطوير المناهج الدراسية وتأهيل أجيال من المتخصصين في هذا الحقل. وعلى صعيد الدراسات العليا، أشرفت على عدد من رسائل الماجستير في العراق وعمان، من بينها رسالة بعنوان التخطيط لنظام وطني ممكنن للمعلومات الزراعية في العراق مع بناء قاعدة بيانات ببليوغرافية زراعية.
وامتد نشاطها العلمي إلى المحيط العربي بارتباطها بسلطنة عمان، من خلال مشاركاتها الأكاديمية وعضويتها في الهيئات العلمية والاستشارية لعدد من المجلات المتخصصة في المكتبات والمعلومات، وتوليها مسؤوليات قيادية في فرع الخليج العربي لجمعية المكتبات الخاصة (SLA/AGC).
النتاج الفكري المنشور : مسيرة متميزة بالعطاء العلمي
يمثل النتاج العلمي للدكتورة نعيمة حسن جبر، الذي تجاوز 100 عملٍ بحثي ومؤلف، مسارًا معرفيًا متدرجًا ومتسقًا، واكب التحولات الكبرى التي شهدها علم المكتبات والمعلومات على مدى أكثر من ثلاثة عقود. فقد انتقلت اهتماماتها البحثية بصورة متتابعة من التقنيات الحاسوبية وقواعد البيانات إلى الإنترنت، ثم إلى إدارة المعرفة وتطوير مهنة المعلومات، وصولًا إلى المكتبات الرقمية وبيئة Web 2.0، وشبكات التواصل والاتصال العلمي، ثم الألتمتريكس ومشاركة المعرفة، وانتهاءً بالذكاء الاصطناعي وآفاق مستقبل المكتبات. ويمكن تمثيل هذا المسار المعرفي المتطور بالسلسلة الآتية:
الحاسوب وقواعد البيانات ← الإنترنت ← إدارة المعرفة ← تطوير مهنة المعلومات ← المكتبات الرقمية وWeb 2.0 ← شبكات التواصل والاتصال العلمي ← ألتمتريكس ومشاركة المعرفة ← الذكاء الاصطناعي ومستقبل المكتبات.
تظهر أعمالها المبكرة، ولا سيما (الأسلوب الفوري في البحث عن المعلومات) عام 1985 و(قواعد البيانات الببليوغرافية ومراحل تصميمها باستخدام CDS/ISIS ) عام 1991 و(تحليل الإشارات الببليوغرافية) عام1994، اهتمامًا مبكرًا بتقنيات تنظيم المعلومات واسترجاعها، وتؤكد أن تجربتها لم تبدأ مع التحول الرقمي الحديث، بل ارتبطت منذ وقت مبكر بإدخال التقنيات الحاسوبية إلى العمل المعلوماتي.
مع مطلع الألفية الجديدة، تحوّلت اهتماماتها البحثية نحو دراسة الإنترنت وتأثيره في التعليم والمعرفة، كما يتضح في أعمال مثل (أساسيات الإنترنت) عام2000، و (تأثير الإنترنت على تعليم المكتبات والمعلومات) عام2001، و (النقل المعرفي بين الكتاب والإنترنت) عام2001.
ويتجلى أحد أبرز ملامح تجربتها الفكرية عن طريق أعمالها مثل (اقتصاديات الأفكار في بيئة الفضاء الإلكتروني) عام2001، و(رؤية مستقبلية لدور أخصائي المعلومات في ظل إدارة المعرفة) عام2004، و(إدارة المعرفة وهندستها لتحقيق مشروع الحكومة الإلكترونية) عام 2005، وهي أعمال تكشف تحولًا فكريًا من تنظيم المعلومات وإتاحتها إلى إدارة المعرفة واستثمارها وربطها بالتنمية والحكومة الإلكترونية.
وتناولت الدكتورة عدد من الأبحاث حول كفايات اختصاصي المعلومات وتأهيلهم وممارستهم، ومن أبرزها:
Measuring Omani information professionals’ competencies: From the professionals’ perspectives (2010) .
Information professionals’ perspectives towards the competencies acquired from education and work )2018(
وهنا تتجاوز إسهاماتها دراسة التقنيات إلى الاهتمام بالإنسان العامل في البيئة المعلوماتية، وإعادة صياغة هوية اختصاصي المعلومات ودوره في المجتمع المعرفي.
في مرحلة لاحقة، اتجه اهتمامها إلى المكتبة نفسها، وبخاصة الأكاديمية والصحية، عبر موضوعات التعاون بين المكتبات ومشاركة الموارد وخدمات التنبيه وتبني تطبيقات Web 2.0 في المكتبات الأكاديمية العمانية، بما يكشف رؤيتها للمكتبة بوصفها مؤسسة رقمية وشبكية متفاعلة لا مجرد مكان لحفظ المجموعات.
يمثل بحثها الذي صدر في 2011 Social networking as a tool for extending academic learning and communication نقطة تحول مهمة نحو مفهوم المكتبة بوصفها فضاءً للتفاعل والمشاركة، وهو اتجاه تطور لاحقًا في أعمالها حول Web 2.0 ومشاركة المعرفة وصولًا إلى مؤشرات ألتمتريكس لقياس اهتمام القراء بالمقالات العلمية.
وفي السنوات الأخيرة من مسيرتها المنشورة، اتجهت أبحاثها نحو قضايا الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة ومستقبل التعلم والمعرفة، من خلال أعمال مثل:
What role might libraries play in the fourth industrial revolution?,(2019)
Artificial intelligence and information services ,(2020)
Libraries and misleading information: a new approach to serving the society (2021)
لتطرح سؤالًا أعمق: ما مستقبل المكتبة واختصاصي المعلومات في عالم التكنولوجيا الذكية؟
وتأتي رؤية د. نعيمة لمستقبل المهنة انطلاقًا من اهتمامها الدائم بمسارها وآفاق تطورها، ولا سيما في ظل التغيرات المتسارعة والمستمرة التي تشهدها التقنيات والمجالات المعرفية ذات الصلة. ويظل التساؤل الجوهري الذي يشغل تفكيرها باستمرار متمثلًا في: كيف يمكن ضمان استمرارية هذه المهنة وازدهارها في ظل التحولات التي يفرضها الجيل الجديد والبيئة الذكية؟ وكيف يمكن تعزيز ارتباطها باحتياجات مجتمع المعرفة المحيط بنا، بما يضمن بقاءها مهنة فاعلة ومتجددة وقادرة على مواكبة المستقبل؟
من أبرز إصداراتها وأبحاثها المختارة، منها :
قواعد البيانات الببليوغرافية ومراحل تصميمها باستخدام مايكرو CDS/ISIS (1991)
قانون برادفورد وتطبيقاته في العلوم الإنسانية (1997).
أساسيات الإنترنت: مدخل تدريبي وتعليمي (2000).
اقتصاديات الأفكار في بيئة الفضاء الإلكتروني (2001).
إدارة المعرفة وهندستها لتحقيق مشروع الحكومة الإلكترونية (2005).
Measuring Omani information professionals’ competencies: From the professionals’ perspectives(2010)
Social networking as a tool for extending academic learning and communication(2011)
الدليل العملي في استخدام أطلس آي تي في تحليل النتاج الفكري (2017).
Artificial intelligence and information services (2020)
Libraries and misleading information: a new approach to serving the society (2021)
وتُظهر بيانات Google Scholar حضورًا علميًا لافتًا للدكتورة نعيمة حسن جبر، إذ تجاوز عدد الاستشهادات بأعمالها العلمية 630 استشهادًا، فيما بلغ معامل h-index نحو 9، بما يعكس مستوى حضور نتاجها البحثي وتداوله في الأوساط الأكاديمية. ويبرز ضمن أعمالها البحث الموسوم “Smartphone Addiction among University Undergraduates: A Literature Review”، الذي تناول إدمان الهواتف الذكية لدى طلبة الجامعات . وعن طريق مراجعة الأدبيات العلمية ذات الصلة، وقد حظي البحث بانتشار واستشهاد علمي ملحوظ، إذ أُشير إلى الاستشهاد به في 293 بحثًا، الأمر الذي يؤكد أهمية الموضوع الذي تناوله واستمرارية حضوره في الأدبيات البحثية.
خاتمة
تمثل مسيرة الأستاذة الدكتورة نعيمة حسن جبر صفحةً مهمة من تاريخ علم المكتبات والمعلومات في العراق والعالم العربي؛ فقد جمعت، على امتداد مسيرتها الأكاديمية، بين التدريس الجامعي والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي والمشاركة في القيادة العلمية، وأسهمت في بناء حضور معرفي راسخ في تخصصها.
ولا تكمن قيمة هذه التجربة في غزارة النتاج العلمي فحسب، بل في قدرتها على مواكبة التحولات التقنية والمهنية والفكرية التي مرّ بها علم المكتبات والمعلومات على مدى أكثر من أربعة عقود، وفي حرصها المستمر على ربط هذه التحولات بدور الإنسان والمهنة والمؤسسة في إنتاج المعرفة وتنظيمها وإتاحتها وتداولها.
وتبقى الأستاذة الدكتورة نعيمة حسن جبر، بوصفها مكتبيةً عراقيةً أصيلة عملت على بناء إرث علمي رصين يتجاوز الحدود الجغرافية، فقد واكبت في نتاجها البحثي مراحل التحول التي شهدها الميدان، من أتمتة الفهارس والتقنيات الحاسوبية، مرورًا بإدارة المعرفة والمكتبات الرقمية والاتصال العلمي، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي واستشراف مستقبل المهنة.
وما يميز هذه المسيرة أن عطاءها العلمي لم يتوقف عند حدود مرحلة أو تحول تقني، بل ظل متجددًا مع تطور المعرفة وتغير بيئة المعلومات؛ فهي تواصل الكتابة والبحث والتأمل في مستقبل المهنة، لتظل تجربتها نموذجًا حيًا للمكتبية العراقية التي جعلت من البحث العلمي رسالةً ممتدة، ومن المعرفة طريقًا للعطاء، ومن مواكبة التحول وسيلةً للحفاظ على حضور المهنة وتجددها.
المصادر
مدونة أساتذة ومتخصصي علم المعلومات والمكتبات في العراق: الأستاذة الدكتورة نعيمة حسن جبر.
https://iraqiinfosci.blogspot.com › dr-naima-hassan-jabur.html
فهارس دار الكتب والوثائق العراقية الخاصة بالمؤلفات والرسائل العلمية.
بيانات الهيئات العلمية للمجلة العراقية لدراسات المعلومات والتوثيق.
صفحة الباحثة على موقع ريسيرجيت ResearchGate: researchgate.net/profile/Naeema-Jabur
صفحة الباحثة على كوكل سكولر Google Scholar: scholar.google.com/citations?user=44uAwbsAAAAJ
صفحة الباحثة على موقع البوابة العراقية للمعرفة https://kiqp.net/bibliography/180081
#سفيربرس _ بقلم أ. د. هدى عباس قنبر/ كلية العلوم الإسلامية / جامعة بغداد



